كان يمكن لمجلس الأمة الجديد إخفاء مثالبه بذريعة حداثة عهده وبحجة أنه يحتاج إلى فترة سماح ليثبت كفاءته. لكن يبدو أن الرسالة تُقرأ من عنوانها. وهي قرئت فعلاً.فالمجلس الذي التم شمله على طريقة "من كل وادٍ عصا" استعجل كشف نفسه. فلا تدبّر حيلة للتخفي، ولا تمكن من ستر عورات خَلْقية. فها هو يذكر بمعزوفة "التأزيم" نفسها التي عاناها الشعب الكويتي، وها هو يعزف الأنغام النشاز نفسها مضيفاً إليها روائح الجهل والمذهبية والشخصانية المقيتة.
لم يمض أكثر من شهرين على احتلال النواب الجدد قاعة عبدالله السالم حتى بدا وكأن المجلس شاخ قبل انتهاء فرحة العرس. فتراه يهدد بكمية من الاستجوابات قُدّم منها ثلاثة حتى الآن، وصار معها نصف دزينة من الوزراء عرضة، ليس للمساءلة المحقة كما هو في مجالس النواب، بل للابتزاز المخزي الذي يحوّل الأداة البرلمانية الأرفع إلى مخلب قط جائع، وبدل أن تكون وسيلة للمحاسبة والتصويب، تصير وسيلة للتعدي مبنية على أجندات أشخاص النواب أو من نوّبهم وأطلقهم يعيثون استجوابات.ولنا في الاستجواب الموعود لوزير النفط مثال صارخ لاستهداف وزير كفء ومتخصص ونظيف الكف ويصعب اختراقه في مرحلة تنوي الوزارة فيها إجراء مناقصات ومشاريع بميزانية مرصودة قدرها مئة مليار دولار في خمس سنوات.ولا يكتفي القادمون الجدد إلى المجلس بتحويل الاستجواب إلى لعبة أهواء، إذ إنهم جعلوا من رفع الحصانة ورفضها لعبة لتبادل الحمايات. فتواطأوا في أكثر من طلب، وتضامنوا على خطأ عدم الاحتكام إلى القضاء ومساواة الناس أمام سلطته وأحكامه.والنواب أنفسهم الذين أمطروا الصحافة بالتصريحات الجوفاء عن الإنجاز والصفحة الجديدة وعشرات الأولويات و"موجز الأولويات"، هم الذين يعودون اليوم إلى تشكيل لجان تحقيق في مشاريع تنتظر التنفيذ وتمت وفق الأصول، في عملية ابتزاز من شأنها وضع العصي في دواليب التنمية انطلاقاً من أحقاد وأنانيات. ويذكرنا هذا السلوك بما وصف به المجلس السابق من أنه تحول إلى "مخفر" مهمته التحقيق لا التشريع.و"حليمة عادت لعادتها القديمة"، إذ يتضح أن مجلس الأمة يضع نصب عينيه الانتخابات والتكسب لضمان الأصوات. فيطالب بإسقاط القروض غير آبه بتوجيهات سمو الأمير الذي اشترط مراراً وتكراراً العدالة وعدم الإضرار بالمال العام، ولا بآراء وزير المالية والمختصين الذين شددوا على مساوئ خطوة من هذا القبيل تشجع الاستهلاك وتميز بين المواطنين وتؤثر على الميزانية العامة في أكثر من اتجاه.ويبدو أن همَّ النواب الأول هو توزيع ترضيات وأعطيات تظهرهم بمظهر المحسن الكريم في وقت لا يدفعون من جيوبهم بل من جيوب عموم الكويتيين.مؤسف أن تكون حصيلة العمل النيابي في هذا الوقت القصير قاتمة ولا ترضي صاحب منطق أو ضمير. والأكثر أسفاً أن تترافق أحياناً مع لغة خطاب منحدرة وسفيهة ومذهبية لطخ بها بعض النواب سمعة المجلس منذ جلساته الأولى. لكن لا غرابة أن يصل المجلس سريعاً إلى هذا الدرك المريع. فمن أتى عارياً من غطاء شعبي بفعل المقاطعة، استمر فاشلاً بفعل الأداء الرديء. فأين التغيير الذي وعدوا الناس به؟ وأين الأسلوب الحضاري واليد الممدودة للتعاون؟ وأين الإنجازات الموعودة التي ستعيد الكويت لؤلؤة الخليج؟ إنه كلام انتخابات يمحوه الواقع، لأن الإناء لن ينضح إلا بما فيه.فلا طِبنا ولا غَدا الشر.الجريدة
آخر الأخبار
لا طِبنا ولا غَدا الشر
17-02-2013