"هل فشل الربيع العربي؟"... سؤال يتداول اليوم في كل مكان، فكيف يمكن وصف الثورات في الدول العربية بالربيع، بينما تغرق شوارعها في بحور الدم، ويقتل شبابها وتثكل نساؤها وييتم أطفالها؟ كيف يمكن تسميتها بالربيع بينما تخنق شعاراتها "الحرية... الكرامة... العدالة" حتى الموت... وكيف يخلف الربيع دماراً شاملاً وخراباً كاملاً ومدناً منكوبة وأرواحاً متعبة؟

Ad

فبعد أن كانت الجماهير من كل الفئات والألوان تتدفق إلى الميادين في مصر وتونس والبحرين وسورية، وغيرها، وتهتف بشعار موحد "الشعب يريد..." أصبح اليوم هذا الشعب يرزح تحت وطأة الموت والانقسامات الطائفية والمذهبية، التي تسببت في الفصام الجمعي للكثير من الفئات المؤدلجة في تناقضاتها الصارخة وازدواجية مواقفها التي طغى فيها الانتماء الأيديولوجي على الانتماء الإنساني... فيبرر الذبح هنا وينكر هناك... هنا تعثرت الثورات السلمية وانتكست، حين دخل الدين والطائفة في السياسة، وهو ذات السبب الذي جعل منها ثورات دموية وقاسية... فإذا لم تكن الثورات من أجل الإنسان أياً كان فستغرق في مستنقعات الحروب القروسطية، حتى تفهم شعوبها أن الإنسان هو قيمة القيم لا الطائفة ولا المذهب ولا الأيديولوجيا... لكن لماذا يجب أن تمر الشعوب بنفس التجارب التاريخية حتى تفهم هذه الحقيقة؟  

وبعد مرور عامين ونصف على تفجر الثورات انقلبت الآمال والطموحات إلى يأس وإحباطات، وتراجع الكثير عن مواقفهم الداعمة للثورة، ليصبح اصطفاف الشارع العربي بين سلطة أمنية قوية ونظام ديني ماضوي... ما جعل الأنظمة السلطوية العربية، الجمهورية منها والملكية، تستعيد قوتها وجبروتها في قمعها للحريات وفي اعتمادها للحلول الأمنية لقمع مطالب الشباب... وكلاهما نموذجان بدائيان لا يمكن أن يدخلا المجتمعات العربية التاريخ... وكلاهما فشلا في فهم واستيعاب دروس الثورة وشعاراتها.

وبينما تقمع إرادة الشعب ولا تسمع مطالبه في البحرين، يدافع المسؤولون الخليجيون (الذين قمعت جيوشهم شعوبهم) عن إرادة 30 مليوناً من الشعب المصري في 30 يونيو، بينما لا تعي تلك الحكومات معنى الإرادة أو حتى الشعب! وفي سورية تحدث المجازر الإنسانية بسبب الحرب الإقليمية الطائفية والمصالح الجيوسياسية الدولية... وفي مصر مشهد مرعب مصبوغ بلون الدم... فبعد أن حلت الدكتاتورية الدينية محل دكتاتورية النظام السابق، فاستحوذت وأقصت وقمعت وخانت ففقدت شرعيتها لتسوق نفسها لحتفها... ها هو الجيش يقترف سياسات عنيفة لا إنسانية قد تجر البلاد إلى منزلق حرب أهلية لا قاع لها، بدلاً من الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وهو ما كان يطالب به ثوار يونيو... ليصبح القتل باسم "الوطنية" أو باسم الدين و"الشرعية" مبرراً ومشرعناً من كلا الطرفين... وبتبرير قتل الإنسان تصبح شعارات الثورة "حرية... كرامة... عدالة" بعيدة المنال.

كل تلك النتائج المفجعة تجعل الكثير من التحليلات تحكم بالفشل على الثورات العربية، إلا أنه من السابق للأوان الحكم عليها اليوم، ذلك أن مخاض التغيير طويل جداً، وستدفع الشعوب ثمناً باهظاً في طريقها لنفض الغبار عن ركام الماضي الثقيل، هذه هي حقيقة التاريخ المرة المؤلمة... فالربيع لم يحن وقته بعد... هناك الكثير من القضايا يجب أن تحسم قبل أن تحصد الثمار... وهي قضايا تتطلب ثورة الفكر والعقل... فبدون حسم قضايا الحرية الجماعية والفردية وطبيعة سلطات الأنظمة وصلاحياتها وعلاقة الدولة بالدين سيحل استبداد جديد محل الاستبداد القديم، ولن يكون هناك ربيع إلا بالقطيعة المعرفية مع فصول الشتاء القاسية للسلطوية السياسية والاستبداد الديني... فالانتخابات وحدها لن تأتي بالديمقراطية في مجتمعات لا تعي معنى الحرية والإنسان.

وثمة أساسات لا يمكن أن تبنى الديمقراطية دون ترسيخها، وهي دستور توافقي يحمي الحريات والأقليات، واستقلال للقضاء، وفصل للسلطات وتحديد صلاحياتها، ومؤسسات مستقلة، وإعلام حر، وتعليم حداثي يكرس التفكير النقدي بدلاً من التعليم الطائفي في المناهج التي تفخخ العقول... وهي مقومات لا تملكها الدول العربية التي لم تتجاوز بعد اللحظة القروسطية.

صراع اليوم هو صراع بين الاستبداد والاستبداد، بين الأيديولوجيات الماضوية والفهم البشري للدين وتفسيراته، بين الأنظمة السلالية والشعوب المؤدلجة، هو صراع من أجل البقاء... وحتى تفهم الشعوب والحكومات أن بقاءها مرهون ببقاء الآخر المختلف والتعايش معه فالطريق طويل ووعر ومظلم، والمخاض عسير ومنهك ومؤلم... ولا نزال في أوله.