صادف يوم 20 فبراير الجاري مرور الذكرى الأولى على رحيلك أيها الصديق، الشاعر أحمد راشد ثاني، وأنا في أبوظبي في هذا اليوم بالذات كنتُ أستحضرك وأخاطبك كأنك مازلت هنا، كأنك لم تكن سوى ظل الأوقات الشرسة، أنت المشاكس ضد الحياة، الابن الهارب من الوجود والعدم، المولود من الحكاية والدعابة والقهقهة، ذهبت إلى الشعر كأنك كنتَ تُصغي إلى شيطان روحك، إلى قلقك الذي ترك لك وجهاً مخدداً وابتسامة ذكية، ابن الفوضى والموهبة وسلالة البحر، ابن الحانة والمقهى وابن الدخان العائم في الرئتين.

Ad

لن نجدك بعد الآن ضائعاً في طريق البحر، تائهاً في الرمل، في الأزقة الخلفية للمدن. لن نلمحك في زاوية، بين أوراق وكتب، بين فواصل الأغنيات، أمام الحديقة والأجراس. حملت حياتك على كفٍ وأنت تمشي فوق حبل الفاجعة، كنتَ ماهراً في اللعب مع الحياة والمعرفة، كانت الروح ترقص مع العذاب والعين تتغذى من الأسى، تركتَ جسدك على حاله، معلقاً ومترنحاً على الدوام وأنت تنظر في فم الهاوية، في قعر البئر، جاء الليل وأخذك، رميتَ حصاة الصبر فجرحتك في القلب، أنت القانط واليائس والمُحّب، العنيد بالشعر والكحول والتبغ.

كان موتك أمثولة خادعة. قفزت فجأة في القارب ورحلت لتقول لنا: انظروا البحر يقترب! ونحن لا نريد أن نصدق أن البحر يقترب، كنا نتوهم انه لايزال بعيداً، وأن خورفكان بعيدة، كنت أنت القريب الينا مثل ضوء الفراشة، ضوء حافة الغرف، القريب الينا، فيما تبتعد عنا، ملوّحاً بيدك النحيلة كما لو كنت تخاصم الهواء، أو تلقي بدعابة عابرة يا الماكل خنيزي والخارف ذهبْ. أيها الضاحك في البريّة، المفتون بالحكايات الآسرة، الراكب موجةً تعصف بها ريح الأيام. أيها الصاعد والنازل فوق سلالم الحياة من فرط النشوة، أيها الأليف والغريب في الايقاع، الواقف فوق تل الاشارات وأنت لا تصغي ولا تنظر اليها، كأنك كنت نائماً تحلم بالرمل والحصاة وعشبة البحر. غريب أمرك يا أحمد راشد ثاني أيها الصديق اللدود، يا عديلي في الماضي ومستقبل الأيام. أحياناً كنت اتخيلك مثل الطيف، أو النسمة المتمردة على الاحياء والموتى، بلا شفقة على النفس أو وهم في الخلود يستيقظ متأخراً. أنت الذي «هنا والآن»، يُعيد تأويل الحكاية: احمد راشد ثاني العائد من ينبوع الحياة والموت يحدثكم. غارقاً في اللحظة تتأمل العالم وتزدريه، وتعيد انتاج الهامش، والمهمل، كنت تريد أن يكون للخسارة معنى الحقيقة، تراوغ هنا وهناك، عن قصد وسبق اصرار، تبحث عن البداهة وعن سر الكينونة، تبحث في الكتاب عن ما ضاع فيه. في اللوحة والأشكال عن ما ينقصها، في الحياة عن الجوهر المقطّر للغياب، كان حضورك لامعاً ومعذباً، لك ولمن حولك، لك أولاً، لأحشائك، لأشباح الرأس. كنتَ تشرب من نبع الحياة جرعات كبيرة، دفعة واحدة ولا تكترث، ميتٌ بالسليقة، حيُ وجامح، طارد ومطرود، تظهر لك العظْمة بيضاء في فم الحوت، وأنت تعوم وتسبح في نفق الظلمة الأخير، تختلف مع هذا وذاك من أصدقائك وتنسى، لا عتب، لا ملامة، اللوم حالة ضعف، الخذلان قوة، هكذا تريد أن تقول.