تكمن ميزة دواء أوكسيكونتين بالنسبة إلى مَن يعانون آلاماً حادة مزمنة في أن مسكن الآلام هذا، الذي يحتاج إلى وصفة طبيب، يدوم 12 ساعة. أما مدمنو المواد الأفيونية، فيرون أن الدواء مميز لأنهم يستطيعون سحقه وشمه أو مزجه مع قليل من الماء وحقنه، فيحصلون دفعة واحدة على كمية كبيرة من الأوكسيكونتين. يخبر بوب جايميسون، بروفسور متخصص في علم التخدير في مستشفىBrigham and Women’s في بوسطن، موقع Popular Science: {نتيجة لذلك، ينتشون بسرعة}.تلقى هذه المواد التي تُشمّ أو تُحقن رواجًا كبيرًا. تُعتبر المواد الأفيونية (أدوية لها تأثير الأفيون، مثل أوكسيكونتين، الفيكودين، وبريكوسيت) سبب الموت الأول نتيجة جرعة مفرطة من المخدرات، التي تشمل أيضًا الكوكايين والهيروين. في عام 2010، اعتُبرت الأدوية الأفيونية، التي تحتاج إلى وصفة طبيب، سبب 44% من الوفيات الناتجة من جرعة مفرطة في الولايات المتحدة. ولا شك في أن هذه مشكلة كبرى. لذلك تلجأ شركات الأدوية إلى حلّ تعرفه جيدًّا: الكيمياء.
طرحت شركة Purdue Pharma دواء أوكسيكونتين في الأسواق في تسعينيات القرن الماضي. فجمعت هذه الحبة الجديدة مسكن ألم معروفًا، الأكسيكودون، مع تركيبة الشركة الفاعلة الخاصة، التي تبطئ إطلاق الأكسيكودون ما إن تصل الحبة إلى الجهاز الهضمي. وبما أن دواء أوكسيكونتين الفموي لا يزوّد الجسم مباشرة بجرعة كبيرة من المواد الأفيونية، روّجت له الشركة على أنه لا يعرض المريض لخطر إدمانه، حسبما تذكر Fortune. ولكن تبيّن أن العكس هو الصحيح.في عام 2010، قدّمت Purdue بهدوء تركيبة جديدة زادت من صعوبة سحق حبات الأوكسيكونتين أو إذابتها بالماء، على أمل بأن يحدّ ذلك من الطرق التي ابتكرها الناس للحصول على جرعة كبيرة من المواد الأفيونية من دواء أوكسيكونتين الطويل المفعول. بعد مرور ثلاث سنوات، بدأت تُظهر الدراسات أن هذه التغييرات الكيماوية تحدّ من إساءة استعمال الأوكسيكونتين. ولكن هل يحدّ ذلك من إساءة استخدام الأدوية عمومًا؟ تُظهر الدراسات الأولية أن مَن اعتادوا استعمال الأوكسيكونتين يستبدلونه بكل بساطة بأدوية أخرى أو بالهيروين.في هذه الأثناء، يعمل الباحثون على طرق عدة لجعل إساءة استخدام مسكنات الألم أكثر صعوبة. لم تنزل أي ابتكارات جديدة إلى الأسواق، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الشركات تبذل قصارى جهدها. يذكر جايميسون: «هذه صناعة مزدهرة».إذا تفاعل مَن يسيئون استعمال الأدوية مع التركيبات الجديدة بالطريقة عينها كما مع الأوكسيكونتين، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع كبير في إساءة استخدام الأدوية، مع أن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع إدمان المخدرات عمومًا. في مطلق الأحوال، تستطيع شركات الأدوية أخيرًا التخلص من بعض اللوم الذي يُلقى عادةً على منتجاتها.كلّف هذا اللوم Purdue Pharma كثيرًا. في عام 2007، اضطرت الشركة إلى التوصل إلى تسوية مع الوكالات الفدرالية الأميركية في محكمة جنائية دفعت بموجبها 634 مليون دولار وأقرت بذنبها لأنها ضللت الناس بشأن احتمال إدمان دواء الأوكسيكونتين.تثبيت المكوناتتُدعى التكنولوجيا المعتمدة في حبة الأوكسيكونتين الطويل المفعول الجديدة المقاومة للكسر Intac. وقد طورتها الشركة الألمانية Grünenthal. تولد الحبة التي تُصنّع بهذه الطريقة بشكل مختلف عن الحبة العادية، حسبما يوضح ألكسندر كروس، نائب رئيس قسم تطوير المنتجات في شركة Grünenthal USA.يبدأ معظم الحبات كخليط مسحوق يضم الدواء الناشط وغيره من مكونات غير ناشطة تساهم، مثلاً، في تثبيت المكونات الناشطة. فتعمل الآلات على ضغط المسحوق وتحويله إلى حبات. إذًا، عندما يسحق المدمن الحبة أو يذيبها بالماء، يعيدها إلى شكلها الأساسي. يذكر كروس: {إذا أخذت الحبة ووضعتها بين ملعقتين، تستطيع سحقها وإعادتها إلى شكلها الأصلي}.في المقابل، يبدأ الأوكسيكونتين كخليط يحتوي على الأوكسيكودون وبوليمر شبيه بالبلاستيك يُعدّ من جزيئات طويلة السلالة. يخبر كروس أن البوليمر، عندما ترتفع حرارته، يدخل المرحلة الذائبة. فتشكّل عملية التصنيع الحبات من مادة ساخنة شبه سائلة تشتد وتتصلب عندما تبرد. هكذا يمتزج الأكسيكودون بالبوليمر الصلب. إذًا، تتخذ الحبات النهائية، وفق كروس، شكلاً متجانسًا صلبًا شبيهًا بالبلاستيك.يضيف كروس: {لا تكون الحبة النهاية قاسية كالحجر، بل تتمتع ببعض الليونة. لذلك إذا دققتها، يتبدّل شكلها. إلا أنها لا تنكسر، وهنا يكمن التغيير الأساسي}.هل من حيل أخرى؟ إذا حاولت إذابة التركيبة الجديدة من الأوكسيكونتين في الماء أو الكحول، تتحوّل إلى كتلة لزجة كثيفة تكثر فيها الخيوط، ما يجعل حقنها مستحيلاً.تعتمد الطرق الأخرى التي لا تزال في مرحلة الاختبار على وضع رزم بالغة الصغر من مواد تبطل مفعول المواد الأفيونية في الدواء (ترياق مضاد للمواد الأفيونية، إذا جاز التعبير). فإذا سحق المدمن الحبات، يفتح هذه الرزم، مطلقًا الترياق، ما يبطل مفعول المواد الأفيونية. من المفترض أن تبقى هذه الرزم مقفلة عند تناولها عبر الفم، ما يحافظ على تأثير الدواء وفاعليته عندما يؤخذ بالطريقة المناسبة.يعمل بعض الشركات على تطوير جزيئات تتطلب الاحتكاك بمادة تتوافر في الجهاز الهضمي، مثل أنزيم معين، كي تنشط فيها المواد الأفيونية. هكذا، يكون المسكن وتأثيره معطلين ولا ينشطان إلا بعد أن يمرّ الدواء في الجهاز الهضمي.لا أدلةعندما طرحت Purdue تركيبة الأوكسيكونتين الجديد، لم يُسمح لها الادعاء أنها تردع إساءة استعمال الدواء لأنها لم تملك أي أدلة على ذلك. فقد ذكرت أنها قد تنجح في تحقيق هذه الغاية، إلا أن لا أحد يستطيع الجزم. يوضح ويلسون كومبتون، مدير قسم أبحاث علم الأمراض والخدمات والوقاية في المعهد الوطني لمكافحة إساءة استخدام الأدوية في الولايات المتحدة: {يأتي المدمنون أحيانًا بأفكار مبتكرة. لذلك تخفق أحيانًا الجهود الجبارة التي تبذلها}.مرّ اليوم وقت كافٍ ليتحقق الباحثون من مدى فاعلية دواء الأوكسيكونتين الجديد في الأسواق خلال السنوات الماضية. في شهر أبريل الماضي، وافقت إدارة الأغذية والأدوية على إدعاء Purdue أن من غير الممكن إساءة استخدام الأوكسيكونتين، وذلك استنادًا إلى دراسات علمية نُشرت أخيرًا.موّلت Purdue الجزء الأكبر من هذه الدراسات. إلا أن ذلك لا يعني أنها ليست موضوعية. فمن الشائع أن تموّل شركات الأدوية الدراسات التي تراقب أدويتها. ولا شك في أن Purdue ترغب في معرفة مدى فاعلية Intac. يشير كومبتون إلى أن دراسات عدة طرحت أسئلة مختلفة بعض الشيء عن تأثير Intac وإمكان إساءة استخدامها، وقد أظهرت معًا أن التركيبة الجديدة ناجحة. يضيف: {التأثير كبير ويبدو مهمًّا من الناحية السريرية}.على سبيل المثال، اكتشف بعض الدراسات أن كمية الأدوية التي عُدّل شكلها ليُساء استخدامها تراجعت منذ طرح تركيبة الأوكسيكونتين الجديدة بنحو 60%. كذلك انخفض عدد اتصالات الطوارئ بسبب تناول جرعة مفرطة من الأوكسيكونتين بنحو 42%. أما متوسط قيمة حبة الأوكسيكونتين التي تُباع في الشارع فبات 63 سنتًا لكل مليغرام، مقارنة بدولار لكل مليغرام من الحبات القديمة.بالإضافة إلى ذلك، أظهرت دراسة أخرى تتناول المدمنين في مراكز إعادة التأهيل أن العلماء من شركة الأبحاث Inflexxion وشركة Purdue Pharma لاحظوا أن إساءة استخدام دواء الأوكسيكونتين تراجعت بنحو 41% منذ طرح التركيبة الجديدة.لكن معهد RTI International، الذي لا يتوخى الربح ولم تموّله شركة Purdue، طرح دراسة مناقضة. في هذه الدراسة الوطنية، اكتشف الباحثون أن معدلات إساءة استعمال الأوكسيكونتين لم تتبدّل كثيرًا بعد ظهور التركيبة الجديدة على رفوف الصيدليات. يبدو أن الأوكسيكونتين غير القابل للسحق لا يردع عدد صغيرًا من المدمنين، خصوصًا مَن يستعملون الأوكسيكونتين المسحوق عوض الهيروين، حسبما يفيد سكوت نوفاك، خبير إحصاءات شارك في تحليل RTI International. فإذا أُخذ تأثير التركيبة الجديدة في الشعب ككل، يبدو غير ذي أهمية.لمَ لم تردع إذًا هذه الحبة الجديدة مَن يسيئون استخدام الأوكسيكونتين؟ من المحتمل أنهم نجحوا في التحايل على تقنية Intac. فلا حدود لإبداع الإنسان. ومن المحتمل أيضًا أن عددًا كبيرًا منهم لا يسحقون الحبة. من الممكن الشعور بالنشوة (مع أنها قد لا تكون بقدر ما يشعر به مَن يشم مسحوق الأوكسيكونتين أو يحقنه) بتناول الأوكسيكونتين عبر الفم. صحيح أن من الصعب تحديد أعداد مَن يسحقون هذا الدواء أو يفضلون تناوله عبر الفم، ولكن من المتعارف عليه في الأوساط العلمية أن بعض مَن يسيئون استخدام الأدوية يكتفون بابتلاع الحبة كما هي، وأن التركيبة الجديدة لن يكون لها أي تأثير جديد فيهم.أما بالنسبة إلى مَن أعاقت هذه التركيبة الجديدة إساءة استخدامهم الأوكسيكونتين، فقد أظهرت الأرقام الأولية أنهم يعمدون إلى استبدال هذه الحبوب بأنواع أخرى.في رسالة إلى مجلة New England Journal of Medicine، اكتشف باحثون من جامعة واشنطن في سانت لويس وجامعة نوفا الجنوبية الشرقية في فلوريدا في مقابلات تلفونية أن عدد المدمنين الذين قالوا إنهم يسيئون استخدام الأوكسيكونتين تراجع بنحو 64%. لكن هؤلاء المدمنين أنفسهم أكّدوا في الوقت عينه أن ارتفاع معدلات استخدامهم أدوية أخرى تحتوي على مواد أفيونية أو الهيروين، الذي يُعتبر مادة أفيونية وإن لم يكن دواء.يذكر ريتشارد دارت المدير التنفيذي لبرنامج Researched Abuse, Diversion and Addiction-Related Surveillance أنه يملك بيانات أولية تكشف أن إساءة استخدام مواد أخرى ارتفعت. يحتاج إلى سنة لتحليل كامل البيانات. لكنه يقول: {يبدو جليًّا، في رأيي، أنهم يلجأون إلى أدوية أخرى. لا اعتقد أن أحدًا فكّر... ما الذي يدفعهم إلى الإقلاع عن عادتهم هذه؟}.أساليب ردع كيماويةأقرّ الباحثون بعدم نجاح التركيبة الأوكسيكونتين الجديدة في الحدّ من إساءة استخدام الأدوية. لكنهم جميعًا يؤكدون أنهم يؤيدون فكرة تزويد الأدوية الأخرى كافة بأساليب ردع كيماوية. فإن نجح ذلك ولو قليلاً، فما الضرر؟ هذا هو الموقف الذي يتبنونه.ما الضرر بالفعل؟ يشير بعض الخبراء إلى أن التركيبات الجديدة من المسكنات أكثر كلفة، ما يزيد العبء على المرضى الذين يحتاجون إلى هذه الأدوية ولا يسيئون استعمالها. لكن نوفاك يشير إلى أن شركات التأمين قد تفضّل تغطية الأدوية، التي لا يمكن إساءة استخدامها، لأنها تدرك أنها تنفق المال على مرضى حقيقيين. ولكن ما من سبيل اليوم إلى معرفة ما سيكون عليه ردّ فعل السوق.أمل الباحثون بأن يحاول المدمنون الإقلاع عن هذه العادة السيئة عندما تعيقهم تركيبة الأوكسيكونتين الجديدة، وفق كومبتون. لكنهم سعوا إلى سدّ هذه الرغبة بطرق أخرى. ولا شك في أن هذه ليست نتيجة مرضية في رأيه.لا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن كيمياء الأدوية لا يمكنها حلّ هذه المشكلة. أفضل ما تستطيع الشركات، التي تطور تركيبات تمنع إساءة استخدام أدويتها، فعله حماية نفسها قانونيًّا. لذلك يذكر كومبتون: {أودّ رؤية مقاربات جوهرية تعالج هذا الإدمان الخفي أو تمنع الناس من السير في هذا الدرب منذ البداية. لكننا لا ننكر فائدة كل ما يمنع الناس من استعمال هذه الأدوية بطريقة مميتة}.
توابل - Hi-Tech and Science
المُسكِّن... عندما يتحوّل إلى مخدِّر
01-06-2013
في عام 2010، قدّم دواء أوكسيكونتين (OxyContin) تركيبة جديدة لا يستطيع مدمنو المخدرات سحقها ليشموها أو يحقنوها في الوريد. إليكم طريقة عملها من الناحية الكيماوية. وهل تحول هذه التركيبة فعلاً دون إساءة استخدام الدواء؟ الإجابة لدى Popular Science.