لرمضان لذته الدينية الخاصة، فهو شهر مليء بالروحانيات والطاعات والنسك، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، ذلك الكتاب السماوي العظيم بلسان العرب هدى للناس اجمع.

وما يميز رمضان خاصة بعد الصيام صلاة التهجد التي تقام في أولى ساعات الفجر، فيجتمع الناس لقيام العشر الأواخر متحلين بالخشوع والخضوع لرب عظيم راجين تقبل أعمالهم وعبادتهم.

Ad

وللمسجد الكبير في الكويت نصيب الأسد من المصلين كونه المسجد الرسمي للدولة ويضم كوكبه من الأئمة والقراء التي تفاخر بهم الكويت بالدول الاسلامية والعربية كافة.

وما تتحرك له الأفئدة وتدمع له الأعين بعد التلاوة العطرة لآيات القرآن، هو ذلك الدعاء الذي يلي الركعة الأخيرة بصلاتي الشفع والوتر، فكل مصلٍّ يستلهم دعاءه خلف الإمام ويرى بما يدعو به لنفسه فتفيض عيناه؛ سواء من همته مصيبة في الدنيا يعلم أن لا فارج له سوى الله، أو يتذكر عزيزاً عليه توفاه الله فلا يجد لدموعه ساكناً، أو غيرها مما تحمله النفوس والقلوب لا يعلمها إلا الله عز وجل.

لكن للأسف، وأخص بالذكر المسجد الكبير كونه مسجد الدولة الرسمي وكوني من المصلين به، فقد تراءى لبعض الأئمة أن يسترسل بالدعاء ليس في تقصي هموم مصليه أو ذكر ما تطيب له النفس من استجداء لرحمة وعفو الله، بل لدول معينة ويعكف بالدعاء لها ويفصّل بحالها فيكاد المصلي من ورائه أن يظن ألا حاجة للإمام له سوى أن يردد خلفه بآمين لتلك الدول، متناسياً نفسه وهمومه وتقربه لله.

ولست استنكر هنا من يدعو لصلاح الأمة وعزة الإسلام فلا خلاف على ذلك، لكن المبالغة والحرص على ذكر دول دون أخرى، و"صفصفة" الدعاء بطريقة تثير الريبة كأنه ينتقي ألفاظه خشية من أحد أو ربما لعلمه بأنه يصلي بمسجد الدولة الرسمي... فكيف يخالف مواقف الدولة الرسمية تجاه تلك الدول.

ما يثير قلقي بل هلعي هو أن يتم توظيف الدعاء في صلوات الجماعة لتحقيق أو توصيل رسالة سياسية أو خدمة موقف سياسي دون آخر. إن تغاضينا عن تسييس الخطب فهي في النهاية كلام ملقى من البشر أمام بشر، لكن الدعاء هو كلام يتلوه العبد أمام ربه الواهب الرازق. فكأنما يخيل لك أن دموع الأئمة تذرف ليس من الخشوع لوجه الله بل نشوة المكاسب الدنيوية والجمهور المردد آمين.

والمقياس لهول الموضوع بالنسبة لي هو مثال أو مقارنة بسيطة، اليوم ومع ما نراه من حراك سياسي امتلأ بالندوات والمهرجانات الخطابية، من السهل جداً أن يتم توظيف هذه البدعة، إن صح التعبير، فلا تقام المهرجانات الخطابية والندوات العامة بل تقام الصلاة الجماعية ويُدعى الجمهور لإقامة الصلوات في الساحات ثم تقرأ الكلمة السياسية بعباية الدعاء تحت مظلة الصلاة.

*****

إن تحايلتم على عقاب البشر فلن تفلتوا من عقاب الرحمن، وإن لم تأبهوا لعفو من بشر فتوبوا عسى أن تدركوا العفو الإلهي الشامل المطهر من ذنوب والخطايا والرياء والنفاق.