عندما يتصوّر كتّاب الخيال العلمي مستقبل البشرية، تبرز مراراً أفكار عدة لتحسين العالم، تشمل طاقة حرّة غير محدودة ومركبات آلية تسافر بسرعة الضوء. كذلك تضم تطوير أجهزة كمبيوتر بالغة الصغر تعمل كوسيلة ترجمة عالمية، مزيلة حواجز اللغة كافة.

تنوي شركة غوغل تحويل هذا الحلم الأخير، على الأقل، إلى حقيقة. يدير هذا المشروع عالِم كمبيوتر من قرية صغيرة قرب إرلانجن في جنوب غرب ألمانيا.

Ad

يضع فرانز جوزيف أوش (41 سنة) هدفاً واحداً نصب عينيه منذ زمن طويل: بناء جهاز كمبيوتر مثالي للترجمة، آلة صغيرة سريعة {لا تلاحظ وجودها، إلا كهمس بسيط في أذنك}، آلة تستطيع ترجمة أي نص أو محتوى موقع إلكتروني أو محادثة إلى اللغة التي تشاء في الحال.

يوضح أوش أن ما قد يوفّر على السياح مشقات كثيرة خلال السفر ويرسم مستقبلاً حالكاً بالنسبة إلى مترجمين كثر، لا يقتصر على هذا التعريف، بل يُعتبر ممرّاً إلى الذكاء الاصطناعي. حتى عندما كان أوش مراهقاً، حلم بآلات تحاكي، على نحو فريد، الخصائص البشرية.

درس أوش علم الكمبيوتر وحاز أخيراً شهادة دكتوراه، متناولاً في رسالته الذكاء الاصطناعي. ثم طلبت منه وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (DARPA) التابعة لوزارة الدفاع الأميركية القدوم إلى الولايات المتحدة. وفي عام 2004، تلقى أوش اتصالاً من لاري بايج، أحد مؤسسي غوغل، سأله خلاله: ألا ترغب في التقدّم في مسيرتك المهنية؟ هكذا حصل أوش على قسمه الخاص: Google Translate (ترجمة غوغل).

تشكّل الأحلام الغريبة عن المستقبل جزءاً من نموذج أعمال عملاق الإنترنت هذا، بدءاً من قيادة السيارات آليّاً وصولاً إلى إطالة متوسط عمر الإنسان المتوقع. صحيح أن Google Translate لم يقدّم الكثير حتى اليوم، لكن أوش وفريقه يملكون طموحاً لا يُضاهى: يريدون أن يضعوا أخيراً حدّاً لخليط لغات الإنسان البابلي.

برنامج مجاني

حقق عالِم الكمبيوتر هذا وفريقه تقدمّاً ملحوظاً. فبإمكان Google Translate اليوم ترجمة نصوص بإحدى وسبعين لغة، مثلاً: من الإنكليزي إلى الألمانية والعكس أو من الأيسلندية إلى اليابانية والعكس.

على سبيل المثال، عندما يُدخل المستخدم أحد مقالات شبيغل إلى هذا البرنامج، يحصل على ترجمة بالفرنسية في غضون جزء من الثانية. كذلك من الممكن عرض الصفحات الإيطالية باللغة الألمانية بالنقر على زر واحد. ويكفي أن تصوّر لافتة محيّرة في محطة قطار في اليابان بواسطة هاتفك الذكي، ليميّز تطبيق Translate النص في الصورة فوراً ويترجمه.

استُعملت خدمة غوغل هذه نحو 200 مليون مرة السنة الماضية، ولا تزال مجانية حتى اليوم. لكن الشركات المتعددة الجنسيات، خصوصاً، تعلّق أهمية كبرى على تطوير خدمة ترجمة آلية. ولا شك في أن غوغل تستطيع جني مبالغ كبيرة من المال لقاء هذه الأداة في المستقبل.

يبقى هدف الشركة في الوقت الراهن تحسين هذه الخدمة، ويتقاطع مسارها مع مسار الهواتف الذكية. فقد طور فريق Google Translate تطبيقاً يحوّل الهواتف الذكية إلى آلة ترجمة ناطقة تستطيع استخدام نحو 12 لغة حتى اليوم.

يحقق هذا التطبيق نجاحاً كبيراً، ما دامت العبارات بسيطة نسبيّاً. على سبيل المثال، على مَن يرغب في إعلام سائق سيارة أجرة في بكين أنه يحتاج إلى التوجه بسرعة إلى الصيدلية أن يتكلّم عبر هاتفه الذكي باللغة الألمانية مثلاً، فيكرر الهاتف الجملة في الحال باللغة الصينية على نحو صحيح إنما بصوت منخفض: {كينغ داي وو كو يجيا ياوديان}.

يشعر أوش أن هذا التطبيق لا يزال {بطيئاً وغريباً بعض الشيء لأن عليك الضغط على الأزرار}. بالإضافة إلى ذلك، لا تُعتبر الترجمة دوماً عالية الجودة، ولكن لو توقع قبل بضع سنوات ما سيحققه Translate اليوم، لقال الناس إنه مجنون.

قفزة نوعية

وضعت IBM أسس الترجمة الآلية قبل عقود، إلا أن هذا المشروع لم يحقق التقدم، وسرعان ما نُسي. لهذا السبب، اقتصر عمل أوش وزملائه خلال السنة الأولى في غوغل على الأبحاث فحسب، لكنهم حققوا أخيراً تقدّماً مذهلاً أو {قفزة نوعية}، كما يذكر أوش.

نتيجة لذلك، نما فريق Translate، ومقره في مجمّع غوغل الرئيس في وادي السليكون، وصار يضمّ اليوم علماء كمبيوتر ألمان، إلا أنه يفتقر إلى خبراء بالألسنية (Linguistics)، ولا يُعتبر أوش نفسه خبيراً في هذا المجال. على العكس، يقول: «أواجه صعوبة بالغة في تعلّم اللغات. وهنا تكمن روعة الترجمة الآلية: يكفي أن تكون بارعاً في الرياضيات والإحصاءات، وأن تجيد البرمجة».

لكن اللافت للانتباه أن تطوير المعاجم، تحديد القواعد، ورسم الأطر التي تُدخَل عادةً إلى برامج الترجمة بهدف محاكاة المترجم البشري، لا تؤدي دوراً يُذكر في فريق غوغل، فالقواعد تفتقر غالباً إلى المرونة، ويعجز الكمبيوتر عن التعاطي معها كلها. على سبيل المثال، تسبق النعوت في اللغتين الألمانية والإنكليزية الاسم، في حين أنها تليه عادة في اللغة الفرنسية. نتيجة لذلك، سرعان ما يصطدم برنامج الترجمة بعقبات كبرى.

بدلاً من ذلك، شددت غوغل على ما تبرع فيه: التعاطي مع كمّ هائل من البيانات والإحصاءات. يوضح أوش: «يعمد النظام أساساً إلى ربط ترجمات قائمة معاً والتعلّم بمفرده إلى حدّ ما كيفية القيام بالأمر ذاته مع مليارات ومليارات الكلمات والنصوص. إذاً، نحتسب في النهاية احتمالات ترجمة».

كلما كبر حجم البيانات المتوافرة، عمل النظام بشكل أفضل. نتيجة لذلك، لم يكتسب الكمبيوتر القدرة على الترجمة إلا نتيجة الإنترنت، فتقدم هذه الشبكة العالمية ثروة كبيرة من الترجمات المتوافرة.

نموذج ناقص

يعمل هذا البرنامج على البحث في المعلومات الكثيرة، جمع البيانات، والتعلّم مع تقدّم العمل. على سبيل المثال، عندما يُطلب من البرنامج ترجمة جملة من الفرنسية إلى الألمانية، يبحث عن عبارات متطابقة قائمة أصلاً ويحتسب الطريقة الفضلى لتأليف جملة جديدة بالاستناد إلى هذه المعلومات.

تنجح هذه الطريقة عادة، إلا أنها لا تزال تواجه الكثير من النواقص والشوائب، فيشكّل علم النحو والنغمات والغموض مشكلة كبرى تعيق طريق برامج الترجمة الآلية. صحيح أن الترجمة التي تقدّمها هذه البرامج تكون مفهومة عادةً، إلا أنها تمثّل كابوساً مريعاً لخبراء الألسنية. فلا تفهم الآلة في النهاية علم الجمال والفلسفة.

إذاً، هل تجد غوغل نفسها مضطرة إلى منح برنامجها قدرة على الإبداع كي يحقق النجاح؟ يجيب أوش بالنفي، مشيراً إلى أن هذه المسألة تعتمد على {التعلّم بفاعلية أكبر}. بكلمات أخرى، على الكمبيوتر أن يتقن فنّ التقليد.

تصبح الترجمات أفضل، عندما تكون اللغات، من وجهة نظر برنامج الترجمة، متشابهة في قواعدها وبنى كلماتها، وعندما تكثر البيانات المتوافرة فيها. نتيجة لذلك، حققت الترجمة من الإنكليزية إلى الإسبانية والعكس نجاحاً، في حين أن الترجمة من الإنكليزية إلى اليابانية والعكس أخفقت إلى حد ما. يوضح أوش: {من المؤسف أن الترجمة من الإنكليزية والألمانية والعكس تُعتبر من الأصعب، ما يثير استيائي}.

ولكن إلامَ تهدف غوغل من تطويرها برنامج Translate؟ هل تريد هذه الشركة أن تحتكر التواصل بين البشر وتحقق التفوق في التفاعل العالمي؟

طابع إنساني

يتناول أوش هذا الموضوع بغموض، قائلاً إن لا دخل له في الجانب التجاري من هذه المسألة، لكنه لا يتردد في القول: {تجعل الترجمة الآلية كماً كبيراً من المعلومات متوافراً لأناس كثيرين. كذلك يمهّد هذا الإنجاز الطريق أمام نجاحات أخرى}. ويتابع موضحاً أن الفوائد غير المباشرة تبقى الأهم. وقد تبنت غوغل المقاربة ذاتها مع منتجاتها الأخرى، فما زال محرك البحث وخدمات البريد الإلكتروني، اللذان طورتهما، متوافرين للجميع مجاناً حتى اليوم، إلا أنهما يمدان غوغل بمئات ملايين المستخدمين وبياناتهم.

لكن المنافسة بدأت تشتد. فقبل بضعة أسابيع، استحوذت فيسبوك على شركة صغيرة طوّرت نظاماً لإدخال اللغة والترجمة الآلية. وترغب هذه الشبكة الاجتماعية في استخدام هذا النظام لتسهّل التواصل بين مستخدميها الذين يتوزع أكثر من مليار منهم على نحو 200 دولة.

كذلك طوّر الاتحاد الأوروبي برنامجه الخاص للترجمة الآلية، يُدعى MT@EC. ويهدف هذا البرنامج في المقام الأول إلى ترجمة المفردات البيروقراطية. ونظراً إلى الاقتطاعات في الموازنة، سيُضطر الاتحاد الأوروبي، على الأرجح، إلى صرف نحو 10% من مترجميه في السنوات المقبلة.

على نحو مماثل أطلقت مايكروسوفت أيضاً مشروع ترجمة. فقد كشف ريك رشيد، رئيس عمليات أبحاث مايكروسوفت حول العالم، الخريف الماضي النتائج التي توصلت إليها هذه الشركة خلال مؤتمر في الصين. فقد تحدث رشيد بالإنكليزية، وترجم كمبيوتر مايكروسوفت كلماته فوريّاً إلى المندرينية. ولم تكن هذه الترجمة بصوت خافت، بل بصوت رشيد الخاص، وقد جُمعت من عينات كلام سُجلت له سابقاً. ويبدو أن هذه الترجمة تحلّت، إلى حد ما، بطابع إنساني.