تعكس قصائد الشابي، خصوصاً ديوانه «أغاني الحياة»، إلى حد كبير حياته ومعتقداته وحالته النفسية وموهبته، حسب الكثير من النقاد والكتاب.

Ad

الحزن والكآبة والتمرد والثورة مع الإحساس المرهف عوامل مشتركة في قصائده، حيث فتح الشابي عينيه على نور الحياة فيما كانت تونس غارقة في ظلام  الفقر والظلم نتيجة الاستعمار الفرنسي وما خلفه من وجود نخبة من الرجعيين المستسلمين للفرنسيين وللعادات البالية التي تقف عائقاً في وجه تطور أمته، ما جعله حزيناً على حالها ثائراً على أوضاعها فجعل شعره صوتاً قوياً ونبيلاً من أصوات الشعب المكافحة، وموجهاً نحو الحق والخير والجمال، فكان شعرُه معبراً عن ضميره اليقظ النقي. ويعد الشابي شاعراً تفصح أبياته عن شخصية سبقت عصرها، لكنه لم يجد من يفهمه مما ألب أحاسيسه، وألهب فؤاده بالأسى واللوعة، فتوقّدت شاعريته من لهيب الحزن والأسى، فكتب:

مهما تضاحكتِ الحياة فإنّني أبدا كئيب

أصغي لأوجاع الكآبة، والكآبة لا تجيب

في مهجتي تتأوّه البلوى، ويعتلج النحيب

ويضجّ جبّار الأسى، وتجيش أمواج الكروب

إني أنا الروح الذي سيظلُّ في الدنيا غريب

ويعيش مضطلعا بأحزان الشبيبة والمشيب

المرض رفيقه

ولد الشابي  في مدينة توزر التونسية عام 1909، وكان يعاني مرضاً في القلب كان وثيق الصلة به فرافقه منذ ميلاده وحتى وفاته في أكتوبر 1934. تنقل مع والده الذي كان يعمل قاضياً بين مدن تونسية  عدة، ومع مرور الأيام كانت حالته الصحية تزداد سوءاً بفعل عوامل متعددة من بينها التطور الطبيعي للمرض وأحوال الحياة التي تقلّب فيها طفلاً، وأبرزها الأحوال السيئة التي كانت تحيط بالتلامذة عموماً في مدارس السكني التابعة للزيتونة، والصدمة التي تلقاها بموت محبوبته الصغيرة، إضافة إلى زواجه في ما بعد مخالفاً لنصيحة الأطباء، ثم كانت الصدمة الكبرى في حياته وهي وفاة والده. هكذا كان الحزن هو السمة التي غلبت أبياته الشعرية:

ما كنت أحسب بعد موتك يا أبي ومشاعري عمياء بالأحزان

أني سأظمأ للحياة، وأحتسي من نهرها المتوهِّج النشوان

رهن الشابي نفسه للمرض ولأسرته المنكوبة بوالده ولأبناء مجتمعه ورؤيته الشعرية الجديدة، فوسط هذا المحيط لم يجد غير الطبيعة يتفاعل معها بجمالها وبهائها وغضبها، غير أنه لم ينس وطنه ولا دماء شعبه فجاءت أشعاره مزيجاً من الرومانسية الحالمة والثائرة المتمردة ليفضح المستعمر ويتحدّاه فقال:

خُلقتَ طليقا كطيف النسيم وحرّا كنور الضحى في سماه

تغرّد كالطير بذل القيود وتحني لمن كبّلوك الجباه

وتسكتُ في النفس صوتَ الحياة القويِّ إذا ما تغنّى صداه

ألا انهضْ وسر في سبيل الحياة فمن نام لم تنتظرْه الحياة

وقال أيضاً:

ألا أيها الظالم المستبدُّ حبيبُ الفناء، عدوُّ الحياة

سخرْنَ بأناَّتِ شعب ضعيف وكفُّكَ مخضوبةٌ من دماه

وعشْتَ تدنِّسُ سحرَ الوجود وتبذرُ شوكَ الأسى في رباه

وكان بيت الشعر الأشهر له والذي ردده ملايين العرب:

إذا الشعب يوما أراد الحيـاة

 فلا بدّ أن يستجيب القَـدر

ولا بـدّ لليـل أن ينجلــي

 ولا بد للقَيد أن يـنكسـر

نجحت قصائد الشابي في حفر مساحة في قلوب من يستمع إليها، وما زالت تجذبنا مثل قصيدته الخالدة «إرادة الحياة» التي صارت نشيداً وطنياً وغنى له فنان العرب محمد عبده «عذبةٌ أنت»، والمطربة التونسية لطيفة «إلى طغاة العالم»، فيما أنشد له أبوبكر سالم «اسكبي يا جراح» والكثير من المطربين والمطربات العرب.