بعد مرور سنتين على الثورة التي أطاحت بحسني مبارك، يبدو أن مصر تتحول تدريجياً إلى «دولة فاشلة»، صحيح أن القاهرة لم تتخلف بعد عن تسديد خدمات ديونها (علامة اقتصادية ميزت كل الدول السابقة)، إلا أنها استوفت الكثير من الشروط السياسية الأخرى التي ترتبط بالفشل الشامل. في واشنطن، ترتكز المحادثات على تداعيات تراجع الوضع الاقتصادي السريع، متجاهلة إلى حد ما أن الفوضى المالية المصرية الراهنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسياسات الحكومة التي تزداد استبداداً، وإن لم يبدل الحزب الإسلامي المستبد مقاربته، فلن يتحسن الاقتصاد وستقترب الدولة من الانهيار.

Ad

الأزمة السياسية

منذ أن تسلم «الإخوان المسلمون» السلطة، أعرب نظام الحكم في مصر عن خصائص تقليدية عدة ترتبط بالدول الفاشلة:

- تطبيق القانون بطريق متحيزة وغير ثابتة: في السابع والعشرين من مارس، نقضت محكمة مصرية قرار الرئيس محمد مرسي في نوفمبر عام 2012 استبدال المدعي العام آنذاك بطلعت عبدالله، أحد أتباعه الذي ركز كل تحقيقاته على ملاحقة خصوم «الإخوان المسلمين» السياسيين. نتيجة لذلك، صارت كل تحقيقات عبدالله غير قانونية. لكن الدولة الممثلة برئيسها، وحكومته، والمدعي العام تجاهلت الحكم الصادر وتابعت ملاحقتها النشاطين بعدائية أكبر، ما عكس استعدادها لتقويض حكم القانون.

- تراجع الخدمات: بدأت الخدمات العامة الرئيسة، مثل الكهرباء والغاز، تنهار مع معاناة المصريين انقطاعاً يومياً في التيار الكهربائي.

- جهاز أمن لا يخضع لأي حسيب أو رقيب: نشر وزير الداخلية الموالي لجماعة «الإخوان المسلمين» رجال الشرطة ليتصدوا لمتظاهري المعارضة ويحموا في الوقت عينه أنصار «الإخوان المسلمين»، الذين يضربون المتظاهرين ويعذبونهم.

- فقدان الدولة شرعيتها: بسبب قانون الانتخابات المليء بالشوائب القانونية الصادر عن مجلس النواب المصري، الذي عينه مرسي، أرجئت الانتخابات التشريعية المفترض عقدها خلال هذا الشهر إلى شهر نوفمبر. في الوقت عينه، ترفض المعارضة المشاركة في الانتخابات لأن المؤسسات المصرية لا تستطيع أن تضم عملية انتخاب نزيهة. وعندما حاول وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، التوسط بين الطرفين الشهر الماضي، زعزع «الإخوان المسلمون» جهوده بالدعوة علانية إلى الانتخابات من دون إدخال أي من التعديلات التي وعدوا بها إلى قانون الانتخاب، علماً أن هذه كانت أساس وساطته، إذن، يدفع الوضع الراهن مصر نحو الفشل، ولا تسعى حكومة «الإخوان المسلمين»، على ما يبدو، إلى إيجاد حل.

مشاكل اقتصادية

ساهمت الأزمة الاقتصادية في تراجع اقتصاد البلد سريعا، فقد ارتفعت البطالة على نحو حاد، أما السياحة، التي كانت تشكل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، فباتت شبه معطلة، علماً أن الحجوزات في الفنادق لم تتخط 10%. ونتيجة غياب تدفق الدولارات من السياح والاستثمارات الأجنبية، تدنت احتياطات العملة الأجنبية إلى مستوى قياسي، فشحت العملة الأجنبية، ما أرغم كثيرين على اللجوء إلى السوق السوداء للحصول عليها بأسعار صرف عالية جداً. ومع تراجع قيمة الجنيه المصري، ارتفعت أسعار السلع، ومن المتوقع أن تسوء البطالة، عندما تطبق الحكومة تدابير التقشف التي فرضها الصندوق النقد الدولي.

لا شك أن عقد صفقة مع صندوق النقد الدولي يساهم في بث حياة جديدة في الاقتصاد المترنح، لكن السياسات عرقلت اتفاقاً مماثلاً منذ عام 2011. ففي شهر ديسمبر الماضي، أعلنت الحكومة أنها ستطبق تدابير التقشف، ولكن عندما هدد رد الفعل تجاه هذا الإعلان تمرير الاستفتاء الدستوري، الذي كان من المقرر إجراؤه بعد بضعة أيام (عملية تصويت أساسية عززت أجندة «الإخوان المسلمين»)، تراجعت القاهرة عن التزامها هذا. رداً على ذلك، ربط صندوق النقد الدولي قرضه بموافقة البرلمان المقبل، شرط قبلت به الحكومة لأنها اعتقدت أن برلماناً جديداً سيكون قد انتُخب بحلول شهر يونيو. لإجراء الانتخابات في الموعد المحدد، حاول «الإخوان المسلمون» بالقوة تمرير قانون انتخاب. لكن المحكمة الدستورية العليا اعتبرته في حكمها الصادر في 18 فبراير الماضي معيباً من الناحية القانونية ولا يتماشى مع الدستور الجديد. رغم ذلك، تجاهلت الحكومة هذا القرار ومضت قدماً بخططها للدعوة للانتخابات. غير أن المحكمة الإدارية العليا قضت على هذا القانون بعد يومَين.

نظراً إلى الفترة الضرورية لوضع مسودة قانون جديدة وسنها، فضلاً عن اقتراب شهر رمضان، يبدو أن الانتخابات البرلمانية لن تُعقد قبل شهر أكتوبر. نتيجة لذلك، لن تتمكن مصر من الحصول على قرض صندوق النقد الدولي حتى أواخر السنة على أقل تقدير، أي بعد ستة أشهر من الموعد المحدد لبدء تطبيق تدابير التقشف، التي كان يُفترض بأموال القرض أن تحد من تأثيرها.

بما أن مصر لن تحظى بقرض صندوق النقد الدولي إلا بعد فترة، فسيواجه اقتصادها تحديات كبيرة خلال الصيف المقبل. ولا شك أن الحكومة ستصطدم بمشاكل جمة في سعيها لتغطية المعاشات، والأجور، وأعباء الدعم المتبقية، فضلاً عن أي كارثة أخرى قد تطرأ: تأثر أسعار السلع بالتضخم المفرط؛ اختفاء الدولار الأميركي من البنوك ومراكز الصرافة؛ التهافت على سحب الودائع من المصارف، ما قد يؤدي إلى إفلاسها؛ خسارات غير مسبوقة في البورصة؛ نقص السيولة الضرورية للمشاريع القائمة والجديدة؛ تصنيف ائتماني منخفض، ما قد يبعد المستثمرين الأجانب؛ ارتفاع كبير في معدلات الجريمة؛ ازدياد عمليات الاستغناء عن العاملين؛ احتمال حدوث ثورة جياع. ونظراً إلى سرعة تراجع الاقتصاد المصري، لا شك أن قرض صندوق النقد الدولي سيبقي هذا البلد عائماً لبضعة أشهر كحد أقصى؛ لذلك، ما من أدلة على أن هذا المال قد يشكل حافزاً للمزيد من المساعدة الأجنبية التي تتوقعها القاهرة. لكن احتمال الفشل المرتفع هذا لم يدفع «الإخوان المسلمين» إلى التفكير في حل منطقي، مثل البحث عن تسوية سياسية أو تطبيق الإصلاحات الأمنية والاقتصادية الضرورية. على العكس، لم تعرب حكومة مرسي عن أي رغبة في تغيير أساليبها التي أججت الأزمة، في حين أن خطابها عن التفاوض والتحاور تحول إلى تهديد: «مصر أكبر وأكثر أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة لتدعها تفشل. كفى حديثاً عن الإصلاحات، أعطونا المال الآن من دون أي شروط مسبقة، أو واجهوا خطر أن تتحول مصر إلى دولة فاشلة أمام نظرَيكم». باختصار، تأخذ جماعة «الإخوان» مصر رهينة، تاركة لواشنطن مجموعة من الخيارات الخطرة.

تداعيات

يرتبط دعم الولايات المتحدة الراهن للقاهرة بمصالح واشنطن الثلاث الرئيسة في مصر: قناة السويس، والتعاون العسكري، ومعاهدة السلام مع إسرائيل. وبما أن كل هذه المصالح خاضعة لحماية الجيش المصري المستقل، فلا يعود دعم حكومة مرسي على واشنطن بفوائد تُذكر. على العكس، قد يعرض هذا الدعم إدارة أوباما لانتقادات هي بغنى عنها على الصعيدين المحلي والخارجي.

إذا ضغطت واشنطن على صندوق النقد الدولي كي يسرع القرض في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة، فلن تنجح في نشر الاستقرار في مصر وإعادة ثقة المستثمرين. يُعتبر حكم القانون المفتاح الأساس. فسيتحول القرض من دون الإصلاحات الضرورية إلى مال مهدور على دعم حكومة فاشلة وإبقائها في السلطة لبضعة أشهر إضافية، ما يربط واشنطن بحكومة مرسي في وقت يبدو فيه استمرار هذه الأخيرة على الأمد الطويل مكلفاً ومشكوكاً فيه.

يقوم الخيار الأكثر فاعلية على دعم مطالب صندوق النقد الدولي والتوضيح للقاهرة أن خير مصر يعتمد على قدرة حكومتها على التوصل إلى تسوية مع المعارضة. ومن دون هذه الخطوات، تكون مصر أكبر من أن يستطيع لاعبون خارجيون إنقاذها. تعادل المبالغ الضرورية لإنعاش الاقتصاد المصري ما أُنفق لإعادة إعمار العراق. ولا شك أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يستطيعان راهنا تحمل عبء مماثل. وإن تمكنت حكومة مرسي من الاستمرار حتى آخر الصيف، وإن وافق البرلمان المنتخب حديثاً على تدابير التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي، فقد تحظى القاهرة أخيراً بقرضها البالغ الأهمية. وحتى ذلك الحين، يمكن لواشنطن أن تشعر بالطمأنينة لأن مصالحها الاستراتيجية مصونة تحت حماية الجيش المصري.