دشنت وزارة التربية في الكويت منذ أيام مشروع "أنا أقرأ"، عبر خطوة لافتة لوزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء والبلدية محمد العبدالله، الذي التقى مجموعة من الناشئة في مجمع الأفنيوز، وقرأ عليهم نصا من القصص المختارة. ويرتكز المشروع على اختيار عشر روايات أو مجموعات قصصية، وطباعة كل منها مليون نسخة، ومن ثم توزيعها على 240 مدرسة من مدارس الوزارة، ومن ثم تُجرى مسابقة عبر استبيان محدد، لمعرفة التلاميذ الذين قرأوا هذه القصص، لتتم مكافأتهم بجوائز مادية وعينية.

Ad

هكذا هو المشروع في جانبه النظري، حسبما يتضح من إعلان الوزارة، وأقول "نظريا" لأنه لم يطبّق حتى اللحظة، ولم نر القصص، أو نعلم ماهيتها، ولم تُوزّع على الناشئة، ولم تجر المسابقة أو تخطو خطوتها الأولى، ورغم ذلك فإنه لو طبّق هذا المشروع على الوجه الأكمل فسيكون إحدى حسنات وزارة التربية والتعليم في عامها الجديد.

وليس بالإمكان التحدث عن هكذا مشروع من دون الإشارة إلى وضعية القراءة المتردية بين تلاميذ المرحلة الابتدائية، وهي مرحلة التأسيس التي ينطلق من خلالها الطالب إلى جهة العلم، فإما أن يحلّق بأجنحة قوية متماسكة، أو ينهض ضعيفا خائر القوى، ويسقط لا محالة. وبما أن المشروع المذكور يستهدف الفئة بين أعمار 8 إلى 12، فإنه لابد من التوقف وتأمل أحوال القراءة بين هذه الفئة، والتلميذ غالبا ما يكون متأرجحا بين الصفين الثاني والثالث، وفي كلٍ أحوال القراءة كارثية بين الناشئة من هذا العمر، ويندر أن تجد تلميذا يقرأ بطلاقة، حتى ضمن المنهج القرائي المحدد، ولنا أن نتساءل ما الذي يجعل القراءة عصية على التلاميذ في هذا العمر، رغم مرورهم على مرحلة "الروضة" ومن ثم تجاوز الصف الأول الابتدائي، والطالب قد لا يميز بين أحرف الهجاء، إن لم يجد متابعة حثيثة من المنزل.

هل الإشكالية تكمن في مناهج اللغة العربية، أم في طرق وآليات التعليم؟ وأنا لا أحمّل المعلّم الكثير من المسؤولية، إذ إن غالبية المعلمين يحملون مؤهلات علمية عالية، ويخضعون لدورات تدريبية، لكن السؤال ما الذي يمليه الموجهون التربويون على هؤلاء المعلمين أثناء دوراتهم التدريبية؟ وما الاستراتيجية التعليمية التي يضعها منظرو اللغة العربية؟ وما الوسائل التعليمية المستخدمة لإيصال المعلومة؟ وما الطرق المحفّزة لتعلم اللغة وتحبيبها للناشئة؟ هل هذه الأسئلة توضح أن ثمة خللا منهجيا "تنظيريا" في تعليم اللغة العربية يحتاج إلى إعادة نظر، وهذه ليست مسؤولية المعلم، بل واضعو المناهج ومنظروها بالدرجة الأولى.

حين أجلس إلى أبنائي لملاحظة دروسهم اليومية وهم بين الصفين الأول والثالث، أجد فرقا كبيرا بين آلية تعليم اللغة الإنجليزية مثلا و"العربية"، إذ نجد أن شعار الإنجليزية في هذه المرحلة "Fun With English"، وهنا نلاحظ ما يحمله الشعار من عبارة محببة، ومدعّمة عبر وسائط مسموعة، ومقروءة، إذ إن الصغار في هذه المرحلة نجدهم يرددون الأناشيد "المموسقة"، ويتخيلون العبارات، والكتب ذاتها مدعّمة بالعديد من الصور والعبارات المقتضبة والمجزأة، ونادرا ما تجد فقرة كاملة مقررة على تلميذ في الصف الثاني الابتدائي، ولذلك لا يجد ولي الأمر الكثير من العناء لدى متابعة ابنه في الإنجليزية، والتلميذ يكاد يتعلم تلقائيا، ويعتمد على جهده الذاتي.

وبالعودة إلى مناهج لغتنا العربية لا نجد فيها "مرحا" ولا يحزنون، وإنما صرامة، و"نكد" تجعل التلميذ ينفر من اللغة، عبر أساليب جامدة، وتلقين للأحرف والكلمات، وتكاد تغيب التسجيلات المسموعة عن صفوف تعليم العربية، هذا إضافة إلى فقرات مطوّلة مقررة على التلميذ، "كتاب الصف الثالث مثلا".

إن تعليم العربية يحتاج إلى إعادة نظر في العديد من أساليبه ومناهجه، فرغم المناهج المطوّرة التي تعلن عنها الوزارة، مازال ينقصنا الكثير، حقيقة يجب أن نعترف بها، إذا أردنا التقدم.