إلى جانب عملات الأسواق الناشئة، مثل الروبية الإندونيسية، تراجعت الروبية الهندية بسبب «الانسحاب التدريجي» المتوقع في السياسة النقدية الفائقة السهولة الذي سيباشره مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي.

Ad

قال وزير المالية الهندي بالانيابان تشيدامبارام، بحزن هذا الأسبوع، ان النمو السريع في الاقتصاد قبل خمس سنوات، أضاف رقما قياسيا مقداره 92 مليار دولار إلى احتياطيات النقد الأجنبي في الهند في عام واحد، مشيراً إلى مهمته السابقة في الوزارة.

واعترف تشيدامبارام يوم الثلاثاء الماضي بأن الظروف تغيرت بشكل ملحوظ نحو الأسوأ، في الوقت الذي وضع فيه الخطوط العريضة لخطة من عشر نقاط لإنقاذ الاقتصاد، ولكن كان هناك ضوء في الأفق. وقال أمام البرلمان: «أرى بصيصا من الأمل».

وكان انهيار جديد في الروبية قد هبط إلى 69 روبية مقابل الدولار، قد جعل حتى تعبير ثقة تشيدامبارام المؤقت يبدو مغرقاً في التفاؤل.

تشيدامبارام ومحافظ البنك المركزي راغورام راجان، الذي سيتولى منصبه الأسبوع المقبل، يواجهان الآن مجموعة من الصعوبات المالية المستعصية والمترابطة التي تفاقمت بسبب انخفاض قيمة الروبية، وتأثير الحرب السورية على أسعار الدولار بخصوص اثنين من واردات الهند الرئيسية - النفط والذهب.

التضخم

ويقول الاقتصاديون إن التضخم في الهند، الذي يقارب 10 في المئة، قد يرتفع نقطتين أو ثلاث نقاط مئوية إذا ظلت أسعار السلع وأسعار الصرف عند هذه المستويات.

تكلفة الدعم الحكومي للوقود من وزارة المالية آخذة في الارتفاع، وهو ما يهدد بعرقلة هدف الحكومة للحد من العجز في الميزانية المركزية إلى 4.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الحالية. وتجعل أسعار الذهب والنفط العالمية العالية أيضاً من الصعب خفض العجز في الحساب الجاري ليصل إلى 70 مليار دولار، وهو الهدف الذي وضعه تشيدامبارام لهذا العام، بانخفاض عن 88 مليار دولار في الشهور الـ12 السابقة.

بالنسبة للشركات، يعمل انخفاض الروبية الحاد على زيادة الضغط على الشركات الهندية التي لديها ديون بالعملات الأجنبية، ويضعف المصارف ويعقد صورة الشركات العالمية العاملة في الهند، التي تآكلت مساهماتها في الإيرادات والأرباح إلى الشركات الأم.

العملات الأجنبية

يقول رئيس شركة دولية مقرها في الهند، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته: «إذا نظرتم إلى منظور المستثمر الأجنبي، ستدرك فجأة أنك تعاني خطرا هائلا في العملات الأجنبية عندما تتحرك العملة على هذا النحو».

واضاف: «قبل ثلاث سنوات كانت قيمة شركتنا مليارات عديدة من الدولارات، ورغم أنها حققت نمواً كبيراً منذ ذلك الحين، فإن قيمتها في هذا العام لاتزال هي نفسها عند احتسابها بالدولار، هذا إن كنا محظوظين. أليس هذا من قبيل الكارثة؟ أن تحقق نمواً كبيراً، ولكن كل ذلك يجري ابتلاعه من قبل الروبية».

وإلى جانب عملات الأسواق الناشئة الأخرى مثل الروبية الإندونيسية، تراجعت الروبية الهندية بسبب «الانسحاب التدريجي» المتوقع في السياسة النقدية الفائقة السهولة الذي سيباشره مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي، وهو تحول سيعمل على شفط أموال المستثمرين مرة أخرى إلى الولايات المتحدة من بلدان مثل الهند.

لكن كثيراً من متاعب الهند هي من صنع يديها. خلال ثلاث سنوات تراجع النمو السنوي إلى النصف ليصل إلى أقل من 5 في المئة، ويعود معظم السبب في ذلك إلى أن شركات التصنيع والمستثمرين المباشرين الآخرين، من الهنود والأجانب، تعبوا من الفساد والبيروقراطية في الهند ومن البنية التحتية المهترئة للمواصلات.

زيادة العجز

كما انتفخ العجز في الحساب الجاري، جزئياً بسبب أوامر المحاكم التي أغلقت المناجم الهندية لخام الحديد والفحم الحجري، مما أدى إلى تقليل الصادرات وضرورة اللجوء إلى استيراد هاتين المادتين. كما أن العجز في المالية العامة ازداد سوءاً بسبب الدعم الحكومي المقدم للوقود والأسمدة والوظائف والمواد الغذائية، حيث يرجح أن ترتفع تكاليف المواد الغذائية أكثر من ذي قبل بسبب مشروع قانون جديد للأمن الغذائي سيقره مجلس النواب هذا الأسبوع ليصبح قانونا.

بالنسبة الى مجلس إدارة شركة الاستشارات المالية أوكسس للاستثمار سوجيت بالا، رئيس، فإن «قلة الكفاءة والشعبوية الجريئة والافتقار إلى السياسات المناسبة من الحكومة هي المشاكل الكبيرة. يتكون لديك في الواقع شعور بأنه لا يوجد من يتحكم في الأمور، وأن الأسواق تستجيب لذلك».

ويشير بنك غولدمان ساكس إلى أنه ينبغي للهند أن تتشدد في السياسة المالية العامة والسياسة النقدية وتكبح جماح الواردات، إذا أرادت الوصول إلى عجز «قابل للاستدامة» في الحساب الجاري عند مستوى 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، نزولاً من رقم تقديري عند 4.8 في المئة من الناتج في السنة المالية الماضية.

لكن البنك أعرب عن شكوكه في أن حكومة رئيس الوزراء مانموهان سينج يمكن أن تتخذ إجراءات من هذا القبيل، وهو ما سيؤدي أكثر من قبل إلى عرقلة النمو الاقتصادي أثناء الاستعداد للانتخابات المقرر عقدها في مايو 2014.

السياسة المالية العامة

ويقول كبير الاقتصاديين لمنطقة الهند في جولدمان ساكس توشار بودار: «أفضل شيء يمكن فعله هو استخدام السياسة المالية العامة للتشدد أيضاً، لكن هذا يبدو صعباً للغاية بالنظر إلى البيئة السياسية».

وتتبنى خطة تشيدامبارام ذات النقاط العشر معظم اقتراحات الاقتصاديين وزعماء الأعمال، حتى وإن كانت حكومتا الائتلاف بزعامة حزب المؤتمر في السلطة منذ 2004 تتعرضان للانتقاد الحاد لعدم تنفيذها في وقت أبكر. ومن هذه النقاط هناك تسع نقاط معقولة على الأقل.

وقال أمام البرلمان إنه ينبغي للهند أن تقلص العجز في المالية العامة وفي الحساب الجاري، وأن تعيد النشاط في الاستثمار من خلال الموافقة على المشاريع المؤجلة، مع تشجيع الإنفاق الرأسمالي من قبل الشركات المملوكة للدولة، وإعادة رسملة المصارف المملوكة للدولة، وأن تستفيد إلى أكبر قدر ممكن من الأمطار الموسمية الطيبة لتعزيز الزراعة، وتعزيز التصنيع والصادرات، وحل قضايا الأراضي والمشاكل البيئية التي تؤثر سلباً في ناتج المناجم ومحطات توليد الكهرباء.

أما البند العاشر -حيث قال إنه «يجب أن نضيف إلى احتياطياتنا-  فيرجح أن يكون هو أصعبها جميعاً. تعتبر احتياطيات العملات الأجنبية الهندية كافية لتغطية سبعة أشهر من الواردات، لكن حيث إن قيمتها 279 مليار دولار في منتصف أغسطس فهذا يعني أنها تراجعت 14 مليار دولار منذ مارس.

وحيث إن الهند بحاجة إلى تمويل العجز الكبير في حسابها الجاري، إضافة إلى أن المستثمرين الأجانب في حالة هروب، والروبية بحاجة إلى تدخل في الوقت المناسب من البنك المركزي على شكل مبيعات للدولار، فلا يرجح لتشيدامبارام أن يبني عودة إلى تراكم الاحتياطي الذي تمكن من تحقيقه في 2008.

(فايننشال تايمز)