أحكمت السلطانة خُرَّم مؤامرة الإطاحة بالأمير مصطفى، أكبر ابناء السلطان سليمان، عبر زوج ابنتها الصدر الأعظم رستم باشا، الذي أقنع السلطان سليمان بأن الأمير الشاب مصطفى يجهز لانقلاب على سلطان السلاطين، ويجهز للإطاحة به من على عرش الدولة العثمانية، وهو ما لقي تجاوبا لدى سليمان القانوني الذي ذكرته ملامح ولده مصطفى بأبيه السلطان سليم الذي انقلب على والده السلطان بايزيد، وقتل أخويه، كذلك تأييد السلطانة خُرَّم لتولي أحد ولديها الأمير سليم والأمير بايزيد، سلطنة البلاد.

Ad

وسط هذه الأجواء اتخذ العاهل الكبير قراره الأكثر شؤما على مدار سنوات حكمه التي بلغت أربعين سنة، عندما قرر إعدام أكبر أبنائه الأمير مصطفى، بعد أن وقع في فخ المؤامرات التي نُسجت حوله بإحكام، بعد أن أشرفت السلطانة خُرَّم على عملية قطع الصلة بين والد وما ولد، وزرع بذور الشك في فكر السلطان وورعه، حتى اتخذ قراره القاتل.

 تكتم السلطان سليمان على قراره الخطير، وبدأ يدبر لاتخاذ اللحظة المناسبة لإعدام ولده الأكبر ابن ماه دوران، فكان يخشى أن يتسرب نبأ قراره إلى جنود الأناضول ما قد يدفع الأمير الشاب إلى إعلان الثورة وينقلب على والده، في حقيقة الأمر كان الأمير مصطفى يدرس حقيقة الاستعانة بشعبيته الواسعة بين صفوف الجيش العثماني، لتأمين حظوظ وصوله للعرش العثماني حال وفاة والده.

 حسم السلطان سليمان موقفه النهائي من ولده الأمير مصطفى عندما وصله تقرير مزور أوصله الصدر الأعظم رستم باشا إلى السلطان عبر أحد مستشاريه الذي يحظى بثقة السلطان، وكان التقرير يتحدث صراحة عن قرب تنفيذ الأمير مصطفى لانقلابه المزعوم، بعد أن اشترى ولاء فرق الجيش، استعار السلطان سليمان ملامح القسوة التي ميزت والده السلطان سليم الرهيب، عندما استلم التقرير وقرر في النهاية التعجيل باغتيال أكبر أبنائه.

أمر السلطان سليمان في سنة 1551م بالتجهيز لحملة عسكرية ضخمة للدخول في حرب ضد الدولة الصفوية في إيران، وكان هذا السبب المعلن لكن في السر كان الهدف إعدام الأمير مصطفى في الطريق، ولكي يجعل السلطان اشتراك الأمير مصطفى أمرا طبيعيا، اصطحب معه في غزوته جميع أبنائه من السلطانة خُرَّم، الأمراء سليم وبايزيد وجيهانكير، وبعد انتصارات أولية على الجبهة الإيرانية، أمر السلطان سليمان بنزول الجيش في وادي «إيريجلي» سنة 1552م، هناك أمر السلطان باستدعاء ولده الأكبر الأمير مصطفى ليقابل قدره.

إلا أن بعض الروايات تروي كيف أحكم الصدر الأعظم رستم باشا مكيدته للأمير مصطفى، مشيرة إلى أن السلطان سليمان لم يستدع الأمير مصطفى للمشاركة في غزو إيران، وإنما الصدر الأعظم رستم باشا بصفته القائد العام للجيوش العثمانية هو من استدعى الأمير مصطفى، وعندما اقترب الأخير من معسكر والده، أخبر رستم باشا السلطان بنبأ مجيء الأمير مصطفى على رأس قواته دون استئذان من الحضرة السلطانية لتنفيذ انقلابه، هكذا أحكم رستم باشا مؤامرته.

مقتل الابن

أدرك الأمير مصطفى مغزى طلب والده، وأيقن أن سلطان السلاطين يخفي أمرا، قال في سره: «إن لم أذهب فقد ثبتت التهمة عليّ، ولن أكون قادرا على تبرئة نفسي، ولو ذهبت فستكون حياتي في خطر»، كان الخياران في غاية الخطورة فبين أن يتهم بالخيانة العظمى أو يتعرض لسيف والده الغاضب، قرر الأمير مصطفى ألا يبدأ والده السلطان بالشر، فذهب إلى خيمة السلطان سليمان، استوقفه حرس السلطان وأمروه بالتخلي عن أسلحته، وفقا للعادة المتبعة بألا يدخل أحد على السلطان وهو يرتدي سلاحه أبدا حتى ولو كان ابن السلطان.

عندما دخل الأمير الخيمة السلطانية بحث بناظريه عن والده، لم يجده، ووجد فقط ستاراً مسدلاً على العرش السلطاني، الظلام منعه من رؤية ما وراء الستار، كان السلطان سليمان جالسا على عرشه ينظر بعيون ملؤها الحقد والكره إلى ابنه من خلف الستار، في تلك اللحظات هاجم سبعة من العبيد الصم البكم الأمير مصطفى، دافع الأمير الشاب عن نفسه ببسالة يستحقها مشهد الختام، أطل السلطان برأسه من خلف الستار وأشار إلى عبيده بطرد التردد والهجوم على الأمير فورا، ألقي الأمير أرضا أحكم العبيد سيطرتهم عليه، لف أحدهم وتر قوس من حرير منقوع في الزيت على رقبة الأمير مصطفى الذي لفظ أنفاسه الأخيرة أمام والده السلطان سليمان.

يصف المؤرخون قرار قتل السلطان لولده مصطفى خان بأنه أحد أبشع الأحداث التي جرت طوال عهد القانوني، فقد كان عمر مصطفى يوم قتل 38 سنة، وكان وليا للعهد بصفة رسمية طوال 32 سنة، وكان مجهزا تماما لولاية العرش العثماني بعد والده، ففضلا عن فروسيته وخبرته العسكرية العريضة كان شاعرا وخطاطا، كما كان وبحق محبوب الجيش العثماني، لكن كل هذه الصفات لم تشفع له أمام والده الذي سقط ضحية لدسائس عديدة فقتل أحب أبنائه.

لم يمر نبأ مقتل الأمير مصطفى مرور الكرام، بل كان بمثابة الصاعقة التي بددت هدوء المجتمع العثماني، فمن ناحيته رفض الابن الأصغر لسليمان؛ الأمير جيهانكير تقبل نبأ مقتل أخيه غير الشقيق الأمير مصطفى، ودخل على والده خيمته السلطانية واتهمه بالقسوة، وقرر الامتناع عن الطعام، ليلحق بأخيه بعد أيام، وهو في الـ22 من عمره، وتقول بعض المصادر العثمانية إن الأمير جيهانكير قتل نفسه أمام والده بعد أن دانه على مقتل أخيه.

الجيش لم يسلم بوفاة الأمير مصطفى فاندلعت الاضطرابات العنيفة في صفوف الجيش واحتجت فرق الإنكشارية وبعنف، لأنهم اعتبروا الأمير مصطفى مرشحهم لتولي عرش السلطنة، كما أن الاضطرابات عمت بلاد الأناضول خصوصا أماسيا التي تولى إدارتها لأعوام، وكانوا لا يذكرونه هناك إلا باسم السلطان مصطفى، وتحولت حياة مصطفى ووفاته إلى قصة من الأدب التركي في الأناضول، وألفت العديد من المرثيات الشعرية تنعى الأمير مصطفى، أمام كل هذا الغضب لم يجد السلطان سليمان بديلا عن عزل رستم باشا، المتهم من قبل الإنكشارية بتدبير مقتل الأمير، عن منصب الصدر الأعظم.

برز السلطان سليمان إلى العيان دون أن تظهر عليه أي علامة من علامات الشفقة والندم، وتظاهر أنه لم يقتل ابنه، وعندما عاد إلى العاصمة العثمانية لم يخبر أحداً بمقتل ولده، وانتظر حتى وصله خطاب من الديوان مكتوب بحبر أبيض على ورق أسود يخبره بموت ابنه، وحينئذ ألقى بعمامته على الأرض وأمر بإقامة الحداد عليه، لكنه كشف عن طبيعة مشاعره عندما رفض دفن الأمير مصطفى في مقبرة سلطانية في إسطنبول، لم يرغب في شاهد قبر قريب منه يذكره بما صنع، لذلك تقرر دفن الأمير مصطفى في مدينة بورصة، أما الأمير جيهانكير فتقرر إقامة مقبرة فخمة له يلحق بها جامع في مدينة إسطنبول.

أما السلطانة خُرَّم فاستقبلت نبأ مقتل الأمير مصطفى بالارتياح، لكنها سرعان ما ارتدت السواد بعد أن وصل نبأ وفاة ولدها الأصغر الأمير جيهانكير، لكن حزن خُرَّم لم يغير من حقائق الأمور شيئا، فالسلطانة انفردت بقلب السلطان سليمان القانوني وتحقق لها ما كانت تصبو إليه بأن أصبحت سيدة القصر الوحيدة، وضمنت أن يلي أحد أولادها العرش السلطاني، أما السلطانة ماه دوران، فدمرتها كارثة إعدام ولدها الوحيد الأمير مصطفى، وانزوت وسط حزنها تلعق مرارة الهزيمة والوحدة، وانتقلت إلى بورصة تعاني ألم الفراق لتجاور قبر ولدها الذي دفن هناك، ولم يكن لها مصدر دخل بعد أن تجاهلها السلطان سليمان، وبعد وفاته قرر السلطان الجديد سليم الثاني ابن عدوتها السلطانة خُرَّم أن يخصص لها راتباً تعيش به حتى وفاتها سنة 1581م.

لم يكن رحيل الأمير مصطفى بهذا الشكل المأساوي من المشهد العثماني نهاية حزينة لمؤامرات الحرملك التي عصفت باستقرار البلاد لأكثر من ربع قرن، بل كانت نهاية فصل من فصول الرواية الحزينة، فمقتل الأمير مصطفى جعل الصراع على ولاية العرش وخلافة السلطان سليمان ينتقل إلى ابني السلطانة خُرَّم، الأمير سليم، والأمير بايزيد، كلاهما يطمع في المنصب الجليل وقيادة الدولة العثمانية في مستقبلها الذي أمنه بصورة كبيرة السلطان القانوني نفسه بالأعمال الحربية الضخمة شرقا وغربا، وإقامة صرح دولة القانون، إلا أن السلطان الكهل كان عليه اختيار أحد ابنيه ليتولى إدارة الإمبراطورية مترامية الأطراف التي تركها خلفه.

كان الأمير سليم الأكبر سنا، لذلك وفقا للعرف العثماني كان الأكثر حظا في ولاية العرش العثماني، إلا أن صفات سليم الشخصية جعلته مرفوضا من قبل الجيش العثماني، فسليم لم تكن لديه أي مهارة عسكرية ولم يتول قيادة الجيش العثماني في أي معركة حتى ولو تحت قيادة والده السلطان وإشرافه، فضلا عن الشائعات التي بدأت تتداول بين فئات الشعب العثماني حول إدمان الأمير سليم للشرب وملازمته الخمر، وعشقه للنساء الذي فاق الحد، كلها صفات لم يتحل بها الأمير بايزيد الابن الثاني الموجود على قيد الحياة للسلطان سليمان، فبايزيد الأصغر من سليم بـ16 شهرا فقط، كان أحد أكثر أبناء القانوني مهارة عسكرية ولم يختلف أحد في قدرته الإدارية، كما أنه أظهر كفاءة في قيادة الجيش في أربع مناسبات مختلفة، وهو ما جعله المرشح الأفضل والأنسب لتولي العرش العثماني خلفا لوالده.

جاء قرار السلطان سليمان بتعيين الأمير سليم وليا للعهد، صادما للجميع بمن فيهم السلطانة خُرَّم، التي رغبت في قيادة الأجدر بهذا المنصب الأمير بايزيد، إلا ان كأس المؤامرات التي تجرعت منها أعداء السلطانة، جاء الدور لتتناول هي منها، فالمؤامرات استمرت تحاك في القصر الرئيسي «توب قابو سراي»، ولكن دخلها أعضاء جدد بحثوا عن مصلحتهم الخاصة، فالسلطانة خُرَّم التي أعادت صهرها رستم باشا إلى منصب الصدر الأعظم، واجهت تحالفاً جديداً غير متوقع قوامه الوزير مصطفى باشا والوزير الخطير محمد صوقوللو الذي بدأ نجمه يلمع في سماء إسطنبول بشدة، وكان غرضهما إجلاس الأمير سليم على عرش آل عثمان، لأنه الأضعف فطمعا أن يلعبا الدور الأساسي في توجيه سياسة الدولة العثمانية في ظل وجود سلطان ضعيف الشخصية كسليم المعروف بين العامة بـ»السكير».  

خرجت السعادة من قصر الباب العالي ولم يعد يسمع في جنبات القصر إلا صراع ابني خُرَّم على العرش، ونميمة الوزراء المتصارعين بشدة لكي يحصلوا على مواقع متقدمة لدى الأمير الذي اختاروه للجلوس على العرش، صراع أنهك صحة السلطانة خُرَّم التي فشلت في إقصاء سليم من ولاية العهد، ويقال إن هذا الصراع الذي شهدت السلطانة خُرَّم بداياته قضى عليها بالسم، فهناك اتهام بأن السلطانة خُرَّم، قضت بعد تجرعها السم الذي فشل أطباء الدولة العثمانية في علاجه، ويلقي بعض مؤرخي الدولة العثمانية بالتهمة على الأمير سليم ومساعده الأول الوزير مصطفى باشا الزنبق، في حين تؤكد بعض الروايات التاريخية أن مرض السل هو الذي قضى على السلطانة خُرَّم، السيدة الأكثر شهرة في تاريخ الحرملك والدولة العثمانية جميعا.

توفيت السلطانة خُرَّم سنة 1558 بعد أن أمنت العرش لأحد أولادها، وبعد أن انتصرت على أعدائها في الحرملك وقادت مجموعة من المؤامرات المعقدة، لتأمين العرش لأبنائها، فتركت بصمتها على تاريخ الدولة العثمانية بصورة فاقت أيّ امرأة في تاريخ الدولة، ووضعت أسس ما بات يعرف بـ»سلطنة الحريم» التي استمرت لعقود بعدها، كما أرست قواعد تدخل «الحرملك» في شؤون الدولة وهو أمر سيتفاقم مع تولي سلاطين ضعاف الشخصية.

وحزن السلطان سليمان على رحيل خُرَّم كما لم يحزن على أحد من قبل، وأصدر على الفور أمرا بعد وفاتها بإغلاق الباب الذي يصل جناحها وجناح السلطان، وامتنع عن مقابلة النساء ومعاشرتهن تكريما لذكرى زوجه، وقرر تناول الطعام وحده يصاحبه كرسي السلطانة الشاغر، وبعد وفاتها ودع العاهل العظيم أيام سعادته واستقبل ليالي شيخوخته وحده، بعد أن فقد أعز أصدقائه وأحبائه إبراهيم باشا والأمير مصطفى وأخيرا، عشق حياته السلطانة خُرَّم، وشاهد السلطان سليمان الصراع العنيف بين ولديه من خُرَّم، سليم وبايزيد، وكان الأخير أكثر كفاءة عسكريا وعقليا، لكن سليم ورث دهاء أمه، فحاك بمساعدة وزراء الديوان مؤامراته ضد شقيقه الأمير بايزيد المعروف بصرامته وقوة شكيمته.

صراع الشقيقين

لجأ الأمير سليم إلى سلاح والدته الراحلة، لبث الفرقة بين والده السلطان سليمان وبين شقيقه الأمير بايزيد، واستخدم سليم في تنفيذ مخططه الوزير مصطفى باشا الزنبق، الذي عين ناظرا للخاصة، وهو منصب وفر لمصطفى باشا الاقتراب من السلطان سليمان، ولعب مصطفى باشا لعبة خطرة لدفع العلاقة بين السلطان والأمير الشاب، راسل الوزير يقول له إن سليم ولي العهد منهمك في شهواته، وانه لا يليق أن يخلف والده على عرش الإمبراطورية العثمانية، ورغم عدم أهليته للحكم فسلطان السلاطين مصمم على إسناد إدارة الدولة لسليم خان.

كان هدف الوزير مصطفى إثارة غضب الأمير بايزيد المعروف بحدته، وهو ما وقع فعلا عندما أراد الأمير أن يسفِّه أفعال الأمير سليم ويهاجم قرار والده ويتهمه بكبر السن الذي أثر سلبا على حكمته التي سارت بها الركبان، تلقى الوزير مصطفى خطاب الأمير بايزيد بمنتهى السعادة، فالشبل سقط في الفخ، وأسرع إلى الأمير سليم يحمل خطاب الإدانة، فما كان من ولي العهد إلا أن سلم الخطاب إلى الأسد العجوز سليمان القانوني، الذي استشاط غضبا، وقرر عزل الأمير بايزيد عن ولاية آماسيا، استعدادا للانتقام منه. أيقن الأمير بايزيد بالشر، وأدرك مغزى عزله عن ولاية آماسيا، كمقدمة لتصفيته، لذلك قرر أن ينتزع ما يراه حقه في إدارة الدولة العثمانية، فأعلن عن ثورته وجمع حوله عدة فرق من الجيش العثماني ضمت 20 ألفا من الجنود، وأعلن التمرد على والده، ورفضه قرار تصعيد شقيقه سليم لولاية العهد، فأرسل إليه السلطان سليمان؛ وزيره محمد باشا صوقوللو لمحاربته والقضاء عليه، وكانت التعليمات السلطانية واضحة للوزير بألا يبقي على ولده.

تقابل الجيشان قرب قونية واستمر القتال يومي 30 و31 مايو 1561م، وانجلت المعركة عن هزيمة الأمير بايزيد الذي تقهقر إلى اماسيا، ومنها فر إلى إيران ليطلب اللجوء عند الشاه طمهاسب، الذي قابل ابن عدوه اللدود بكل ترحاب واحترام، وظن أن بقاء أحد أبناء القانوني في بلاطه ورقة يضغط بها على إسطنبول، وربما يساعد الأمير المنبوذ في الوصول إلى العرش العثماني، وقتها بلاشك سيوافق على جميع مطالب الشاه بالتنازل عن فتوحات سليمان القانوني في العراق وأذربيجان.

لم يهنأ الأمير بايزيد في بلاد الشاه، كما أن الأخير تنازل عن مخططاته بعد أن وصله تهديد صريح من السلطان الأعظم سليمان خان، باستعداده لتدمير بلاد الشاه وقتله إذا لم يسلم الأمير بايزيد، على الفور فتح الشاه باب المفاوضات السرية مع السلطان سليمان، فميزان القوة كان يميل لصالح الدولة العثمانية، وتم الاتفاق على أن يدفع السلطان سليمان 500 ألف ليرة ذهبية ويتنازل عن قلعة قارص، مقابل تنفيذ الشاه مهمته القذرة، وفي 23 يوليو 1562م، وصل رسل الموت من قبل السلطان العثماني إلى قزوين عاصمة الشاه، وقاموا بقتل الأمير بايزيد وأبنائه الأربعة؛ أورخان ومحمود وعبدالله وعثمان، ونقلت جثثهم إلى مدينة سيواس حيث دفنوا، كان بايزيد وقت قُتل في الـ37 من عمره.

بعد مقتل بايزيد خلا الجو للأمير سليم الذي أصبح المرشح الوحيد لولاية العهد، في وقت اشتد المرض بالسلطان المسن سليمان القانوني، بسبب إصابته بمرض النقرس، ما منعه من ركوب الخيل، وعلى الرغم من ذلك عندما بلغه هجوم النمساويين على الحدود، أمر وهو في الـ74 من العمر ورغم مرضه بإعداد الجيوش، وكان الطبيب الخاص لسليمان قبل خروجه للجهاد نصحه بعدم الخروج لعلّة النقرس التي به، فكان جواب السلطان سليمان الذي خلده التاريخ «أحب أن أموت غازيا في سبيل الله»، وخرج على رأسها في 9 شوال عام 973هـ/ 29 أبريل عام 1566م، ووصل إلى مدينة سيكتوار المجرية وكانت من أعظم ما شيّدته دولة النمسا من القلاع.

وتُوفي السلطان سليمان أثناء الحصار يوم 5 سبتمبر 1566 عن 74 سنة وكانت مدة ملكه 48 عاما قضاها في توسيع نطاق الدولة وإعلاء شأنها حتى بلغت فى أيامه أعلى درجات الكمال, وأخفى الوزير خبر موته خوفاً من وقوع الفشل في المعسكر، وأرسل لولده سليم بمدينة كوتاهية يخبره بذلك ويطلب منه الحضور على جناح السرعة إلى الأستانة منعاً للقلاقل، وأعلن الوزير الانتصار بعد سقوط القلعة لجميع الجهات باسم السلطان سليمان حرصاً على عدم إذاعة موته الذي لم يذعه إلا بعد أن وصلته رسالة من إسطنبول بوصول ولده سليم إليها واستلامه مهام منصبه كسلطان للبلاد. ومع وصول السلطان سليم الثاني إلى سدة الحكم بدأ عصر جديد يترسخ في أفق الدولة العثمانية عُرف تاريخيا باسم «سلطنة الحريم»، فقد أصبح للحرملك دور بارز في تسيير أمور السلطنة العثمانية والسياسية العامة للدولة، وخضع السلاطين أمام رغبات وطموحات نساء الحرملك وهو عصر سيقود الدولة العثمانية إلى بداية الانحطاط السياسي، وإذا كانت أيام السلطانة خُرَّم قد انتهت، فالحرملك بدأ في الاستعداد لاستقبال سلطانته الجديدة التي دخلت القصر من أوسع أيامه، لقد بدأت أيام السلطانة نوربانو.

 أوقاف خُرَّم

حجب الدور السياسي، الذي مارسته السلطانة خُرَّم، أعمالها الخيرية التي نثرتها في مختلف أنحاء الإمبراطورية العثمانية، فالسلطانة خُرَّم واحدة من أكثر السيدات في التاريخ العثماني كله التي خصصت مجهوداتها لأعمال الخير التي عمت أرجاء الدولة، وكان أغا البنات المعروف بـ»أغا دار السعادة» في القصر العثماني هو المسؤول عن متابعة هذه الأوقاف خارج إسطنبول.

أنفقت السلطانة خُرَّم الكثير من الأموال في أعمال الخير، واستغلت وضعها كزوجة شرعية للسلطان سليمان القانوني في إنشاء الكثير من المؤسسات الخيرية في العاصمة العثمانية إسطنبول، منها مسجد وبجواره مطعم خيري لإطعام الفقراء، فضلا عن مدرسة ومستشفى وكتاب، أما في مدينة أدرنة فأنشأت عدداً كبيراً من «الأسبلة»، وقنوات لتوصيل المياه إلى أهالي مدينة أدرنة، كذلك أوقافها في مدينة بيت المقدس. أما عن أبرز أعمال السلطانة خُرَّم الخيرية فكانت تلك المخصصة للحرمين الشريفين، ففي كل مدينة أمرت ببناء مؤسسة متكاملة تضم مطعما خيريا لتقديم الطعام لفقراء الحجاج وطلاب العلم، ورباط مخصص لسكنى المساكين، فضلا عن مسجد ومدرسة، ولضمان استمرار تلك المؤسسات في أداء وظيفتها خصصت السلطانة أوقافا ضخمة للإنفاق عليها، ورتبت لهذا الأمر وقفية مدونة باللغة العربية، وضَّحت فيها تفصيلا حجم هذه الأوقاف ومكانها والعاملين على إدارتها ومقدار رواتبهم، بل والصفات الواجب عليهم التحلي بها، والتي تتناسب مع طبيعة مهام كل واحد منهم، وأوجه الإنفاق من هذه الأوقاف بشكل تفصيلي دقيق.