تبرز ثلاث قصص رئيسة في مجال السياسة الدولية والاقتصاد العالمي: المرحلة المقبلة من تنامي النفوذ الصيني، واستمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، وإعادة تصميم أوروبا. يبدو أن البلدان الثلاثة التي ستخسر الكثير بسبب هذه النزعات هي على التوالي اليابان وإسرائيل وبريطانيا. من المعروف أن هذه الدول الثلاث هي من أقرب الحلفاء إلى الولايات المتحدة في أهم ثلاث مناطق من العالم. مع بدء عام 2013، لن تكون العلاقات الخاصة التي تربط هذه البلدان بالولايات المتحدة كفيلة بحمايتها من أسوأ تداعيات هذه التغييرات الجارفة. إنها أنباء سيئة بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأميركية طبعاً.

Ad

بسبب توسع النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري للصين، أصبحت اليابان في وضع أصعب. يؤدي توسيع وتعميق السوق الاستهلاكية الصينية إلى تقديم فرص مهمة للشركات اليابانية، لكن يبدو أن عدائية بكين المتجددة (بسبب النزاع على الأراضي مع اليابان) تؤجج غضب القوميين داخل البلدين. لا يتعلق الخطر المطروح باحتمال أن يتبادل البلدان إطلاق النار، بل إن الخلافات الناشئة ستُضعف تبادل أي شيء آخر وستقلّص زخم العلاقة التجارية التي أصبحت أكثر أهمية لتعويم الاقتصاد الياباني.

في شهر سبتمبر، أدت المعركة القائمة على خلفية مجموعة من الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي إلى زعزعة الاقتصاد الياباني. وأدى تأكيد طوكيو على ملكيتها لجزر "سينكاكو- دياويو" إلى تأجيج مشاعر السخط المعادية لليابان داخل الصين، وسمحت بكين باستمرار الاحتجاجات لفترة أطول من المعتاد. في خضم تلك الأحداث، دمّر المحتجون الصينيون المتاجر والمنتجات اليابانية في مدن عدة وأطلقوا حملة لمقاطعة الشركات اليابانية. في ذلك الشهر، تراجعت المبيعات السنوية في شركتَي "تويوتا" و"هوندا" داخل الصين بنسبة 49% و41% على التوالي.

يدرك صانعو السياسة اليابانية أنهم مضطرون للتعويض عن تجارتهم مع الصين عبر تعزيز روابطهم مع بلدان أخرى في آسيا. لكن تبقى اليابان معرضة للمخاطر على المدى الطويل بسبب اتكالها على النمو الحاصل في الأسواق الصينية. يريد رئيس الوزراء الجديد، شينزو آبي، توسيع الروابط الأمنية بين الولايات المتحدة واليابان، ويمكن أن تساهم واشنطن في الدفاع عن مصالح اليابان في بحر الصين الشرقي، لكنها لا تستطيع حماية الشركات اليابانية الناشطة في الصين من الانهيار نتيجة تنامي التوتر في العلاقات الصينية اليابانية. هذا هو أبرز خطر وشيك على مستقبل اليابان.

على صعيد آخر، تتعلق مخاوف إسرائيل المباشرة بأمنها القومي. أدت الحرب الأهلية السورية إلى تأجيج الاضطرابات في لبنان. وتعاني إيران وضعاً يزداد صعوبة بسبب العقوبات والضغوط الدولية على خلفية برنامجها النووي، ما يرفع احتمال أن تتصرف الجمهورية الإسلامية بطريقة غير متوقعة قد تضرّ بإسرائيل. ستسعى الحكومات العربية إلى حصد الشعبية محلياً من خلال إطلاق مواقف متشددة ضد إسرائيل لإرضاء الشارع العربي المتعطش لهذا النوع من المواقف.

قد تتعثر حكومة "الإخوان المسلمين" في مصر في عام 2013 باعتبارها شريكة دبلوماسية تعمل على حل مشكلة الأعمال العدائية مع "حماس". ويواجه السياسيون الأتراك والأردنيون (كانوا أكثر وداً مع إسرائيل تاريخياً) ضغوطاً كي يبتعدوا عن الإسرائيليين. في المقابل، سيتراجع تركيز واشنطن على الصراعات التي تهدد الدولة اليهودية بعد توجّهها نحو محور آسيا، مع أن الولايات المتحدة ستبقى الضامن الأبرز لأمن إسرائيل.

يراقب البريطانيون من جهتهم الأزمة المتفاقمة في منطقة اليورو ويضغطون على قادتهم كي يصوتوا على قرار متعلق بمستقبل بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. وفق استطلاع رأي أجراه معهد "إبسوس" في شهر نوفمبر، تبين أن الناخبين "المحافظين" يفضلون مغادرة الاتحاد الأوروبي (بنسبة 58% مقابل 37%). يشعر السياسيون المحافظون بالقلق من أن يحصد "حزب الاستقلال" البريطاني الذي يزداد شعبية حصة مهمة من الأصوات إذا اعتبر الناخبون أنهم يماطلون في هذه المسألة.

إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيدفع البلد ثمناً باهظاً أكثر مما يتوقع البعض الآن. إن التخلي عن الشركاء الذين يشترون نصف صادرات البلد سيستلزم إعادة التفاوض حول عشرات الاتفاقيات التجارية الثنائية، وسيكون الضرر على الصناعة البريطانية مكلفاً.

خارج الاتحاد الأوروبي، ستخسر بريطانيا نسبة كبيرة من نفوذها السياسي الدولي، وحتى لو بقيت عضواً في الاتحاد، ستصبح لندن دولة تابعة بدل أن تكون صانعة قرار تشترك في صياغة القواعد الجديدة في اللعبة الأوروبية، وذلك نظراً إلى عدم استعدادها للمساعدة في إعادة تصميم منطقة اليورو والالتزام الكامل بالقواعد المالية الجديدة.

تحتاج الولايات المتحدة إلى اليابان كي تتجنب المواجهة مع الصين، الأمر الذي سيُضعف أمن الولايات المتحدة ومصالحها التجارية في أكثر المناطق الواعدة اقتصادياً في العالم. هي تحتاج أيضاً إلى إسرائيل من أجل إعادة الاستقرار إلى ميزان القوى المضطرب في الشرق الأوسط ومنع تفاقم التوتر الإقليمي. وهي تحتاج إلى بريطانيا لممارسة بعض النفوذ ضمن العملية التي ستحدد شكل أوروبا الجديدة.

باختصار، بينما تركز واشنطن على تخفيض حجم الإنفاق في السنة المقبلة، سيحتاج مهندسو السياسة الأميركية إلى الاتكال بشكل متزايد على الأصدقاء الثابتين كي يخدموا مصالحنا، لكن يحصل ذلك في اللحظة التي يواجه فيها هؤلاء الحلفاء مشاكل خاصة بهم.

* إيان بريمر | Ian Bremmer رئيس "مجموعة أوراسيا"، شركة بحثية واستشارية معنية بالمخاطر السياسية العالمية.