لم يتعرض المزارع ريك كريس لانتقاد مباشر وسط المعركة المحتدمة بسبب المأكولات المعدلة وراثياً قبل ديسمبر 2010، ضمن تعليقات القراء على مقالة نشرتها وكالة «رويترز» وتُلمح إلى جهود شركة «الحدائق الجنوبية» في مجال الهندسة الوراثية.

تعهد بعض القراء بعدم شراء أي «مأكولات مركّبة». نسب البعض الآخر مشكلة تكاثر حالات الحساسية إلى الهندسة الوراثية. وهاجم العشرات شركة «مونسانتو» (مقرها سانت لويس) التي تسيطر على قطاع التكنولوجيا الحيوية للمحاصيل مع أن المقالة لم تأتِ على ذكرها أصلاً.

Ad

ذكرت رسالة تحذر من العواقب غير المقصودة: «إذا استمرت هذه النزعة، لن نجد في أحد الأيام إلا مأكولات «مونسانتو» المصنّعة».

لكن لم يتأثر كريس بهذه التعليقات. فقد استنتجت عشرات الدراسات الطويلة الأمد عن تغذية الحيوانات أن الكائنات المعدلة وراثياً والمستعملة راهناً هي آمنة بقدر المحاصيل الأخرى، وأصدرت الأكاديمية الوطنية للعلوم ومنظمة الصحة العالمية وجهات أخرى بيانات تصب في الخانة نفسها.

لكن شعر بعض الباحثين العاملين لديه بالقلق من أن يؤدي الربط الشائع بين الكائنات المعدلة وراثياً وشركة «مونسانتو» (وبالتالي بين «مونسانتو» وانتقادات الزراعة المعاصرة) إلى انقلاب المستهلكين على البرتقال المعدّل وراثياً الذي تنتجه شركة «الحدائق الجنوبية».

قال د. ميركوف: لا تذكر المقالة كلمة «مونسانتو» مطلقاً، لكن تتمحور جميع التعليقات حول شركة مونسانتو».

أدرك كريس أن إقدام المزارعين في البداية على تبني محصول يتكون من حبوب الصويا المعدلة وراثياً بجينة جرثومية من إنتاج شركة «مونسانتو» لم يساهم في كسب قلوب وعقول الناس كي يؤيدوا الكائنات المعدلة وراثياً، وبالتالي يتقبّلوا عشباً ضاراً صنّعته «مونسانتو» أيضاً.

اعتباراً من منتصف التسعينات، تبنى مزارعو حبوب الصويا في الولايات المتحدة ذلك الصنف المتنوع من المحصول، ما سهّل عليهم السيطرة على الأعشاب الضارة. لكن جاء الاستعمال الواسع للمادة الكيماوية في المرحلة اللاحقة (إلى جانب النفور من استراتيجيات «مونسانتو» العدائية وتنامي الشكوك تجاه نظام غذائي مبني على أرباح الشركات) ليؤجج ردة فعل المستهلكين. فخرّب الناشطون في مجال البيئة عشرات التجارب الميدانية واحتجوا على الماركات التي تستعمل حبوب الصويا أو الذرة التي تنتجها «مونسانتو» والتي طُرحت بعد فترة قصيرة وتمت هندستها لمنع الآفات من مهاجمتها.

رداً على ذلك، تعهدت شركات مثل «ماكدونالدز» و{فريتو لاي» و{هاينز» بعدم استعمال كائنات معدلة وراثياً في منتجات معينة، ومنعت بعض الدول الأوروبية زراعتها.

شعر بعض العلماء العاملين مع كريس بالغضب بسبب ما اعتبروه فرصة ضائعة لتحقيق المصلحة الاجتماعية بعدما خطفها الناشطون الذين يعارضون الهندسة الوراثية والشركات التي فشلت في إقناع المستهلكين بمنافعها. في دول نامية عدة، دفعت المخاوف بشأن السلامة العامة وملكية البذور بالحكومات إلى تأخير أو منع زراعة المحاصيل الضرورية: رفضت زامبيا مثلاً شحنات من الذرة المعدلة وراثياً، حتى خلال موجة المجاعة في عام 2002.

قال د. جاينس الذي واجه عوائق مماثلة مع البطاطا الحلوة الغنية بالبروتينات التي هندسها بجينة اصطناعية: «يسهل على كل من يقصد متجر البقالة ويشتري ما يحتاج إليه أن يعارض الكائنات المعدلة وراثياً».

بالنسبة إلى كريس في بداية عام 2011، كانت أي مقارنة مع شركة «مونسانتو» (اضطر إلى الالتفاف على براءات الاختراع الهائلة التي تملكها الشركة، كما أن آلاف الموظفين الذين تشغّلهم عالمياً يطغون على الموظفين الذين يستعين بهم في فلوريدا في ذروة موسم الحصاد إذ يقتصر عددهم على 750 شخصاً) تبدو غير واقعية. في حال تحقيق النجاح، كانت شركة «الحدائق الجنوبية» لتأمل باستعادة استثمارها عبر فرض رسوم إتاوة على أشجارها. لكن كانت استراتيجيتها المهنية تهدف إلى إنقاذ محصول البرتقال، علماً أن مجموع المساحة كان يشكل جزءاً ضئيلاً من المحاصيل التي استهدفتها شركات التكنولوجيا الحيوية الكبرى.

لذا حث الباحثين القلقين على النظر إلى النجاح السابق لطماطم «فلافر سافر». فهي طُرحت في عام 1994 وتمت هندستها كي تبقى طازجة لفترة أطول من الأصناف التقليدية وقد كسبت شعبية كافية لدرجة أن بعض المتاجر عرضتها بكميات محدودة قبل أن تؤدي إخفاقات مطوريها إلى إنهاء إنتاجها.

كذلك لم يعد وحده في حملة دعم تصنيع البرتقال المعدل وراثياً. تكاتف مزارعو الحمضيات لتمويل الأبحاث حول شجرة تقاوم الاخضرار، وكلفت وزارة الزراعة فريقاً من العلماء بالمشروع. كان أي حل ليرضي كريس. كان يشم يومياً رائحة حريق الأشجار المصابة وهي تختلط برائحة زهر البرتقال في البستان الذي يقع على مسافة من مقر شركة «الحدائق الجنوبية».

الوضع يحتاج إلى حل عاجل

في دفيئة مليئة بعدوى الجراثيم حيث أظهرت كل شجرة غير معدلة وراثياً عوارض المرض، صمدت أشجار ميركوف المزودة بجينة السبانخ لأكثر من سنة. طلب كريس بعد فترة قصيرة زرع 300 منها في تجربة ميدانية. لكن في ربيع عام 2012، طلب من «وكالة حماية البيئة» (أول وكالة من الوكالات الفدرالية الثلاث التي ستقيّم أشجاره) الإرشادات. كانت الخطوة التالية تقضي بإجراء اختبار سلامة. ثم شعر بأن الاختبار لن يبدأ بسرعة كافية.

لكن طمأنه د. ميركوف إلى أن شروط الوكالة بشأن الاختبارات على الحيوانات، بهدف تقييم سلامة البروتين الذي تنتجه جينته والتي لا تشبه أي شيء على لائحة السموم والمواد المسببة للحساسية المعروفة، ستكون ضئيلة. فأصر قائلاً: «نحن نتكلم عن السبانخ. يأكلها الجميع منذ قرون».

لكن تنامت مخاوف أخرى في عقل كريس خلال ذلك الربيع: لم يشأ المزارعون في فلوريدا التحدث عن الموضوع، لكن بدأ استعمال المبيدات الذي ارتفع بثلاثة أضعاف في هذا القطاع للقضاء على القمل النباتي الذي يحمل الجراثيم يصبح ظاهرة مقلقة وأعلى كلفة، مع أنه بقي ضمن الحدود القانونية. توقف مبيد شائع الاستعمال عن إعطاء مفعوله حين طورت القملة النباتية مقاومة ضده، وطلبت جمعية مزارعي الحمضيات في فلوريدا من إحدى الشركات أن ترفع الضوابط التي تُفرض مرتين في كل موسم على رش الأشجار الحديثة العهد، وهو أملها الوحيد لحماية الحصاد من الأمراض.

لجأ آخرون في القطاع إلى كريس بعدما عرفوا بمشروعه. فوافق على التحدث معهم خلال اجتماع خريفي لمزارعي الحمضيات في كاليفورنيا حيث رُصد مرض الاخضرار للتو. فقال مدير الجمعية تيد باتكين: «يجب أن نسمع عن حل التعديل الوراثي». لكن شعر كريس بالقلق لأنه لم يعلم الطريقة الأنسب لتهدئة مخاوفهم.

ثم زاد انزعاجه بسبب حركة ناشطة تطالب بوسم «المنتجات المعدلة وراثياً» بكلمة G.M.O..

اعتبر داعمو مبادرة تصويت مثيرة للجدل في كاليفورنيا أن المطالبة بوسم المنتجات حق من حقوق المستهلكين حفاظاً على مبدأ الشفافية، لكن كانت إعلاناتهم توحي في معظمها بأن المحاصيل تحمل المخاطر: شملت إحدى الإعلانات طفلاً يوشك على أخذ قضمة لذيذة من كوز ذرة مقاوم للآفات لكن رُسمت عليه علامة استفهام وعبارة «ذرة مصمّمة لتنتج مبيدها الخاص».

لكنه كان يدرك أن الجينة التي تجعل الذرة مقاومة للحشرات تشتق من جرثومة التربة التي استعملها لفترة طويلة مزارعو المنتجات العضوية كمبيد حشرات طبيعي.

اعتبر أحد رؤساء «مجموعة عمل البيئة» أن إدارة الغذاء والدواء يجب أن تطالب بوسم المأكولات التي تحتوي على كائنات معدلة وراثياً وذكر عبارات مثل «الوحل الوردي، والشمام القاتل، والديك الرومي الملوث، وثنائي الفينول أ في حسائنا».

اعتبر كريس أن حملات الوسم تلك هي تكتيك يمكن أن يستعمله أي قطاع للتفوق على المنافسين: كانت تلك الجهات تحصل على تمويل كبير من شركات تبيع المنتجات العضوية التي يمكن أن تفوز إذا كان الغلاف الذي يوحي بوجود مخاطر صحية معينة كفيلاً بدفع العملاء إلى شراء منتجاتها البديلة غير المعدلة وراثياً. لم يكن يهدف إلى إخفاء أي شيء عن المستهلكين لكنه أراد منهم أن يفهموا طريقة وسبب هندسة البرتقال وراثياً. أزعجه أن وسم المنتجات سيضع جميع الكائنات المعدلة وراثياً في خانة سلبية واحدة.

وحين أعلمته «وكالة حماية البيئة» في يونيو 2012 بضرورة أن تشاهد نتائج الاختبارات لمعرفة طريقة تأثير الكميات الهائلة من بروتين السبانخ على نحل العسل والفئران، كتب بكل سرور شيكاً بقيمة 300 ألف دولار لصنع البروتين.

كانت تلك القيمة أعلى كلفة فردية في مشروع كلّف حتى الآن 5 ملايين دولار. إذا لم تقدم تلك الاختبارات أي إنذارات مقلقة، سيحتاج إلى اختبار البروتين كما يظهر في لقاح أزهار البرتقال المعدلة وراثياً، ثم سترغب الوكالة في اختبار العصير.

 قال د. ميركوف: «تبدو هذه التدابير مفرطة». لكن تقاسم كريس ومدير أعماله مايكل إيري شعوراً بالسعادة. في تلك المرحلة بدأت معالم المسار المرتقب تتّضح. بدل انتظار أن تثمر الثلاثمئة شجرة التي زرعها ميركوف (قد يتطلب الأمر سنوات عدة)، وافقا على تجربة زرع براعم جينة السبانخ في الأشجار الناضجة لأجل تسريع إنتاج غبار الطلع (وإنتاج أول فاكهة كي تخضع للاختبار أخيراً).

جدار من المعارضة

في صباح باكر من السنة الماضية، تحقق كريس من موقع وزارة الزراعة من منزله. خصصت الوكالة فترة لتعليقات الناس تمتد على 60 يوماً حول الأشجار المعدلة لإنتاج «تفاح القطب الشمالي» الذي لا يتحول لونه إلى البني.

تصور كريس أن ابتكاره الخاص سيتخذ الشكل نفسه، فراجع عريضة الشركة المؤلفة من 163 صفحة حيث كُتب أن التفاح المعدّل يوازي التفاح الطبيعي من حيث المحتوى الغذائي، مع استبعاد خيار التلاقح مع أصناف أخرى من التفاح واحتمال توسيع سوق الفاكهة الصحية. ثم انتقل إلى قراءة التعليقات. كانت بالمئات وسلبية في معظمها. كتب بعضها عدد من الأهالي الذين عبّروا عن مخاوفهم من أن يؤدي عدم ظهور اللون البني في التفاح إلى إخفاء العفن، مع أن التفاح المعدل وراثياً يصبح بنياً أيضاً إذا تعفّن بسبب مرض معين. كتب كثيرون أيضاً كجزء من عريضة أعدّها «مركز سلامة الغذاء» (مجموعة تعارض التكنولوجيا الحيوية). حذرت العريضة: «يُفترض أن يكون التفاح وجبة طبيعية وصحية. والتفاح المعدل وراثياً ليس طبيعياً ولا صحياً».

عبّر آخرون عن عدم ثقتهم بالضمانات التي يقدمها العلماء. كتبت إحدى النساء: «قدموا لنا أشياء كثيرة باعتبارها غير ضارة لكننا اكتشفنا بعد سنوات أن الأمر غير صحيح. بعد إصابتي بالسرطان مرتين، لا أظن أنني أستطيع تحمّل أي مخاطر غير ضرورية». أصر كثيرون على ضرورة وسم الفاكهة إذا تمت المصادقة عليها.

في ذلك الصباح، توجه كريس إلى عمله في وقت متأخر. أقنع نفسه بضرورة ألا يتفاجأ من العدائية السائدة. حاول إيري مواساته ببعض الأنباء السارة: وصلت البيانات المتعلقة بنحل العسل والفئران. يبدو أن أعلى جرعة من البروتين الذي أرادت «وكالة حماية البيئة» اختباره لم تنتج أي أثر سلبي.

لكن لم يسبق أن أثّر حجم المعارضة على كريس لهذه الدرجة، فتساءل للمرة الأولى: «هل سيصدقوننا؟ هل سيصدقون أننا نقوم بذلك للتخلص من المواد الكيماوية وأننا نحرص على إبقاء المنتجات آمنة؟ أم أنهم سينظرون إلينا ويقولون «الجميع يعدون بالأمر نفسه»؟».

سرت إشاعات مفادها أن الماركات الكبرى بدأت تبحث عن عصير البرتقال خارج فلوريدا (ربما في البرازيل حيث تخلى المزارعون عن البساتين المصابة بالمرض وقرروا زرع منتجاتهم في أماكن أخرى). لقد انهارت التجارب الأخرى التي اعتبرها كريس مشابهة لتجربته. نفقت الخنازير التي هُندِست لإنتاج نفايات أقل تلوثاً على طريقة القتل الرحيم بعدما فشل مطوّروها في إحدى الجامعات الكندية في إيجاد مستثمرين. كان السلمون الذي تم تعديله كي ينمو بوتيرة أسرع لا يزال ينتظر مصادقة إدارة الغذاء والدواء. شكك العلماء بدراسة تشير إلى وجود مخاطر صحية تطرحها الكائنات المعدلة وراثياً لكنها رسّخت مخاوف بعض المستهلكين إزاء هذه التكنولوجيا.

بعد هزم تدبير وسم المنتجات في كاليفورنيا، انطلقت مبادرة تصويت في ولاية واشنطن وطُرحت اقتراحات تشريعية في كونيتيكت وفيرمونت ونيومكسيكو وميسوري وولايات كثيرة أخرى.

وسط حرارة الصيف الماضي، كثّف كريس أعمال الزراعة كما لم يفعل سابقاً بحسب زوجته.

حين كان كريس متوجهاً في شهر أكتوبر الماضي إلى وادي كاليفورنيا الأوسط للتحدث خلال اجتماع مزارعي حمضيات كاليفورنيا، فكر بطريقة الرد على الانتقادات. ففكر بقبول ذكر عبارة «منتجات معدلة وراثياً» إذا كانت ستساعد المستهلكين على فهم أنه لا يخفي شيئاً. لن يتمكن يوماً من إثبات عدم وجود مخاطر في المحاصيل المعدلة وراثياً. لكنه يستطيع تفسير المخاطر القائمة في حال عدم تنفيذ المشروع.

خسرت شركة «الحدائق الجنوبية» 700 ألف شجرة وهي تحاول السيطرة على المرض، أي أكثر من ربع الكمية الإجمالية. كانت توقعات حصاد الربيع المقبل قاتمة. جاءت الموافقة على استعمال كميات أكبر من المبيدات على الأشجار الحديثة العهد في ذلك اليوم. فأضاف أثناء وجوده في الفندق خلال تلك الليلة شريحة جديدة إلى العرض الذي سيقدمه.

على المنصة في اليوم التالي، تحدث عن زيادة استعمال المبيدات: «من الواضح أننا نستعمل كمية كبيرة من المواد الكيماوية. نستعمل كميات هائلة أكثر من أي وقت مضى». ثم توقف ليتكلم عن الشريحة الجديدة. كُتب عليها بكل بساطة «قبول المستهلك». فنظر إلى الجمهور الحاضر.

كان يدرك أن أكثر ما يريده هؤلاء المزارعون الاطمئنان إلى أنه يستطيع مساعدتهم في حال انتشار المرض. لكنه اضطر إلى تحذيرهم: «إذا لم نكسب ثقة المستهلك، لا أهمية لما نتوصل إليه».

زراعة الأشجار

في صباح مشمس، توجه كريس إلى حقل مُسيّج يقع على بُعد مسافة من مكتبه، بعيداً عن أي شجرة حمضيات أخرى. ففتح قفل البوابة وسجّل دخوله كما تفرض قواعد وزارة الزراعة في أي تجربة ميدانية لمحصول معدل وراثياً.

خلال الأشهر السابقة، كانت سلسلة Whole Foods قد أعلنت أنها ستتجنب تخزين معظم المأكولات المعدلة وراثياً بطلبٍ من المستهلكين وستطالب بوسمها بحلول عام 2018. انضم مئات آلاف المحتجين حول العالم إلى «المسيرة ضد مونسانتو»، وقد أصدرت وزارة الزراعة تقريرها الأخير عن حصاد البرتقال لهذه السنة وهو يبيّن تراجعاً بنسبة 9% عن السنة الماضية بسبب مشكلة اخضرار الحمضيات.

لكن استعاد كريس بعض الهدوء حين زار الحقل. في بعض الصفوف، زُرعت الأشجار التي لا تحتوي على أي جينة جديدة وكانت مصابة بمرض الاخضرار. في صفوف أخرى، ثمة 300 شجرة حديثة العهد فيها جينات السبانخ وهي سليمة بالكامل. في الوسط، تقع الأشجار التي يعوّل عليها: 15 شجرة ناضجة من نوع «هاملين» و»فالسنيا»، بطول سبعة أقدام، وقد زُرعت عليها براعم من أشجار جينة السبانخ التي ابتكرها ميركوف.

تتعدد الأسباب التي تجعله يصدّق أن الأشجار ستتجاوز اختبار «وكالة حماية البيئة» حين تثمر في الربيع المقبل. كان يجمع البيانات التي ستحتاج إليها وزارة الزراعة لضمان ألا تطرح الأشجار أي خطر على النباتات الأخرى. حين يحصل على الفاكهة، تستطيع إدارة الغذاء والدواء مقارنة معدل سلامتها ومحتواها الغذائي بالبرتقال التقليدي.

في مكتبه، ثمة لائحة بالجماعات التي يمكن الاتصال بها حين تصبح أول فاكهة معدلة وراثياً في فلوريدا جاهزة للقطف: المنظمات البيئية وجمعيات حماية المستهلك وغيرها. لم يكن يعلم ما سيقوله تحديداً حين يتصل بتلك الجهات أخيراً. ولم يكن يعلم ما إذا كان أحد سيشرب من عصير البرتقال المعدل وراثياً. لكنه قرر المضي قدماً.

في فترة لاحقة من هذا الصيف، سيزرع مئات الأشجار الشابة الإضافية مع جينة السبانخ في دفيئة جديدة. خلال سنتين، إذا فاز بالموافقة التنظيمية، ستصبح جاهزة للزرع. قد تكون الأشجار أول جهة تنتج العصير للبيع خلال خمس سنوات تقريباً.

بفضل شجرته المعدلة وراثياً أو شجرة أي عالِم آخر، هو يظن أن مزارعي فلوريدا سيحصلون قريباً على أشجار تستطيع إنتاج العصير من دون الخوف من أن يكون حامضاً أو أن تتراجع كميته.

أثناء تواجده وحيداً في ذلك الحقل، أطلق العنان لمخيلته لبضع لحظات.

لم يستطع منع نفسه من التفكير: «ربما نستطيع استعمال التكنولوجيا لتحسين عصير البرتقال. ربما نستطيع إيجاد طريقة لزرع البرتقال على مدار السنة أو مضاعفة عدد الحبات التي تحملها كل شجرة الآن».

لكن سرعان ما كبح تلك الأفكار، فأمسك الحافظة وسجّل خروجه وأقفل البوابة.