قدر الله علي وفتحت حساباً في الـ"فيسبوك" وتالياً في "تويتر"، وإن كنت قد نجوت من إدمان الـ"فيسبوك"، فقد وقعت في حبا‍ئل "تويتر" لأنه للأسف مثل حب الفصفص إن بدأت فيه لا تتوقف حتى "تغتث"، ويمضي الوقت وأنت ساكن فيه تقرأ أخبار الصحف وتتعرف على أخبار البلاد والعباد وآخر الإشاعات وآخر الخصومات ومَن طلق مَن، ومَن أعرس على مَن، وماذا حدث في شارع فرعي في أقصى مدينة تعرفها بالاسم فقط، وكذلك يمكنك أن تضحك.

Ad

لكن صديقتي عرضت علي منذ شهر أن أكف عن تخلفي وأفتح حساباً في "أنستغرام" وهو حساب مثل "تويتر"، لكنه من أجل وضع الصور التي تلتقطها بكاميرتك الشخصية، إلا أنني صحت في وجهها على طريقة عادل إمام "هو أنا ناقص يا خويه"، وكي تقنعني بأنني متخلفة عن الركب، فتحت شاشتها وعرضت أمامي حساب والدتها في "أنستغرام" وأطلعتني على الصور التي تضعها من مزرعتها، وسخولها المولودة حديثاً، وحزم الجرجير والورد والجزر والطماطم، وكل تفاصيل حياة المزرعة التي تعيشها، فيشاهدها كل من في عائلتها، ويضعون لها علامة "لايك" أي أعجبتهم الصور.

وقد روى لنا زميل أنه أصبح كالمهبول منذ أن فتح له حساب "أنستغرام" فصار لا يمر بشيء إلا ويصوره كي يضعه في حسابه ويفرح حين يجد الناس يضعون له علامة لايك. هل تظن أن وسائل التواصل توقفت عند هذا الحد، تبقى "غلطان"، فبعد "تويتر" والفيسبوك وأنستغرام، جاءك حساب "كيك" من يوتيوب، كي يمنحك فرصة أن تضع فيه مشاهدك المصورة "فيديو". هذا ما يسمى الآن وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كنت من الذين قاوموا كل هذا فلا تفرح كثيراً، لأن موجته ستصلك عبر "الواتساب" وستعرف من صار الأشهر والأطرف في "كيك" وحتى في "تويتر".

وفي "كيك" وجدت رجلاً يزعم أنه من اليمن ويعيش في السعودية، يبث مشهداً مصوراً مدته أقل من دقيقة ميزته أنه يعفس فيه الأسماء فلا ينطق اسماً صحيحاً أو أنه يتعمد ذلك لإضحاك الناس، فيسمي مدينة نينبيرغ الألمانية، هيرغ بيرغ ولاس فيغاس، فوز لييغاس لاس، ومطار شارل ديغول تصير بارل ديغول وجماهير "كيك" يصير اسمهم "كركس"، وكل ما يذعيه هذا الرجل مشهد مدته دقيقة يقول فيه على سبيل المثال إنه اليوم سعيد ثم يفتح المسجلة ويرقص على أغنية "ورور". حظي حسابه بعدد 3500 متابع، وقد تعرض عليه إحدى القنوات الإعلامية برنامجاً على الهواء يقدم في رمضان، أو تقنعه بأنه شخص فكاهي كما حدث مع أحد نجوم البال توك.

أنا أعتذر إلى الجيل الجديد الذي يظن أنني أهزأ به، لا والله فأنا أعالج حرقة تخلفي بالتندر عليهم فقط، فقد كنت أعتقد، وأنا أظن أنني أقرأ كثيراً وأتعلم لغة أجنبية وأسافر، أن هذا كله قادر على تضييق المسافة بيني وبين جيل أبنائي وتقليل الصراع معهم، لكنني اكتشفت أن هذه المسافة مسافة قدرية لا مناص منها، لكن تحفظي الوحيد هو أن الأجهزة الحديثة لا تصنع منا أناساً متحضرين، فنحن مازلنا نروج للطائفية والمذهبية والعنصرية الإثنية ولقيم الاستبداد ومعارضة المختلف وكتم أنفاسه، بل وشتمه شتماً لو شتمت به كافراً لأسلم، ثم نقول عن أنفسنا إننا خير أمة أخرجت للأرض "مالك لوا".