قد تغدو القراءة في أدب العشرينيات من القرن المنصرم أشبه بحال من «النوستالجيا»، فنجد أنفسنا منقادين إلى تأمل المشهد الجمالي، في أدب تلك المرحلة، مع شيء من الاحتفاء الذي يشفع له ربما تكاملية المشهد آنذاك، أو بصورة أخرى اندماج الأدب مع واقع المجتمع. في وقت مازالت فيه إمارات المنطقة تلملم كيانها السياسي، ومن ثم الدخول إلى عصر الدولة المدنية، والنظام الاقتصادي عابر القارات، بكل ما يرافق هذه الحال من تعقيدات سياسية، وتدخلات للغرب «المهيمن» آنذاك.

Ad

لم يجد الأدب، والحال هذه، بُدا من خلق ذاته، ومن ثم تكوين ملامح خاصة به، عبر تداعيات المرحلة واشتراطاتها آنذاك، وهي تداعيات تنمو وتتخلّق، عبر محيطها المحلي، أو لربّما تتسع المرحلة، لاصطناع وجودها من أوطان أخرى (مصر، بلاد الشام، المهجر بكل أبعاده)، فهذه البلاد شهدت بدورها نهضة أدبية غدت في حينها رافدا يستقي منه الأدباء في منطقة الخليج جماليات القصيدة الحديثة، وكذلك موضوعاتها المستقاة من الرومانسية الغربية، مع شيء من التجديد في بنية القصيدة، خروجا عن شريعة مدرسة الإحياء التي هاجمها العقاد وإبراهيم المازني أشد هجوم.

وكانت فترة العشرينيات تلك، التي أنتجت مدرستي أبولو والديوان، مع أدباء ذاع صيتهم كما لم يحدث مع أي شخصيات أخرى مرافقة لهم، هي ذاتها الفترة التي شهدت نهوض الأدب، أو لربّما اكتمال نضجه، وتشكّل ملامحه، تشكلا يستند إلى نهضة التعليم النظامي، الذي بدأ يسري في عروق المؤسسة الرسمية، مع إيمان بدأ يترسّخ لدى الناس باتباع هذا النمط من التعليم عوضا عن الكتاتيب الدينية، ففي الكويت انطلقت المدرسة المباركية عام 1911، في خطوة صاحبت، أو لربما سبقت قليلا بروز شعراء تلك المرحلة من أمثال صقر الشبيب، وخالد الفرج، وفهد العسكر، ويشكل نتاج هؤلاء الشعراء ومواقفهم الحياتية شاهدا حيا على سجال اجتماعي وفكري صاحب قصائدهم، تراوح بين قبول ورفض، وقد يصل الأمر إلى التكفير والنفي.

أما منطقة الحجاز من الجزيرة العربية فقد كانت الأقرب إلى عواصم الحدث الأدبي المشار إليها، وهي عواصم ملهمة في طريقة كتابة القصيد، وموضوعاته، لذا كنا نشهد تلك المعارك الأدبية بين أدباء الحجاز أنفسهم بأسلوب يقترب كثيرا من الخصومات التي كان يؤسس لها زكي مبارك، والعقاد، وطه حسين، وهذه الأخيرة كانت تخرج عن أسلوب المحاججة الأدبية، إلى التجريح الشخصي، الذي ليس علاقة بمنطق الأدب، كان أدباء الحجاز يعون هذه الفروقات لذا فإن بعضهم لم ينجرّ إلى هذا النوع من الخصومة، بل ارتكز نتاجهم على نقد قصيدة، أو قصة تنشر في «صوت الحجاز»، أو «المنهل» وغيرهما من صحف تلك المرحلة.

وكان الساحل الغربي هو المنفذ الذي يفتح ذراعيه للشعراء، وينقل حال المشهد الثقافي المصري بكل تفاصيله، كما أن المنطقة كانت مزارا للحجاج والمعتمرين، مع عقلية انفتاحية، أكثر تقبلا للآخر المختلف، بل قد يصل الأمر إلى شيء من الاندماج والتأثير والتأثر، وليس هذا الاندغام الفكري محصورا في الكتابة الأدبية، فقد انتقل إلى العمارة الحديثة التي مازلنا نشاهدها في الأحياء القديمة من مدينة جدة، وكذلك الموسيقى والفنون الشعبية الأخرى، وكان أدباء الحجاز هم الأكثر تأثرا ونضجا في الكتابة، رغم بروز أسماء وفعاليات ثقافية في المنطقتين الشرقية ونجد.

وتلك الفترة المتمثلة من النصف الأول من القرن العشرين هي التي شهدت بروز كتاب «خواطر مصرّحة» للشاعر محمد حسن عواد، بكل ما يحمله من انفتاح فكري، وجدل اجتماعي، إضافة إلى المحاضرة الشهيرة للشاعر حمزة شحاتة بعنوان «الرجولة عماد الخلق الفاضل»، وهي المحاضرة ذاتها التي شكلت موضوعا فلسفيا وفكريا يتم تناوله لسنوات في الحياة الثقافية السعودية، لما تحمله من جدّة في المضمون تبلغ حد الصدمة آنذاك، لمجتمع مازال يتلمس طريق الأدب.