اصعدا إلى السطح وافرشا الفرش.

قالت لنا أمّي بعد الغروب، وهي تنهي صلاتها.

Ad

عَدَوْنا باتّجاه سلّم المنزل نتسابق، أنا وعواطف التي ملأت دلو الماء، ورشّت غَرْفات منه وجه السطح الأسمنتيّ، فنفث في وجهينا نسمات دافئة كأنّها زفرات صدرٍ تعب. نثرت بعض الماء على وجهي، فأدرت رأسي جانبًا وأنا اضحك، ثم ركضت نحوها، وسحبت الدلو من يدها، وسكبت ماءه كلّه فوق رأسها.

تبلّلت ثيابنا. ضحك وجه سطح الأسمنت معنا ثم شرب الماء، وهبّت النسمات باردةً فأنعشت روحينا.

قالت عواطف وقد تعبت من اللعب:

هيّا نفرش الفرش.

سحبنا البسط والفرش والمخدّات من غرفة السطح الوحيدة وخرجنا وقد اختفت آخر بقعة ماء عن وجه السطح، وعاد حماس اللعب يتدفّق في دمي، فوضعت قدمي على طرف البساط الذي تحمله عواطف وجعلتها تتعثّر، ثم وقعتُ فصرخت بي:

قومي عنّي يا مسواط إبليس.

وزّعنا الفرش على الأسطح الثلاثة. بالتناوب، وضعنا مراتب من القطن، ثم غطّيناها بشراشف ومخدّات، ثم اللحاف أخيرًا. بين كلّ سطح وآخر جدار قصير. يحتلّ فراش والدي سطح المطبخ البعيد، تليه فرشنا نحن البنات الأربع فوق سطح المجلس العائليّ، ثم فراش فوّاز فوق غرفة مجلس الرجال، بينما بقي فراش إبراهيم، المسافر إلى مصر منذ عام، قابعًا في مخزن الفرش.

عبّأنا الماء مرّة أخرى في إناء صغير تستخدمه أمّي للوضوء، ثم رششنا وجه الفرش برشّات خفيفة، كي يصبح باردًا حين تجفّ.

تمدّدت عواطف فوق فراش والدي الكبير، وأنا بجوارها، وأصخنا السمع نلتقط الأصوات الصادرة من السطوح الأخرى، أصوات الطيور الصادحة في الفضاء، بوق سيّارة بعيد، صيحات الأطفال في الشارع. ولوهلة عمّ السطحَ السكونُ، فبرزت الغيمات البيض في السماء تجرّ بعضها بعضًا، رحنا نتبعها حتى أسلمتنا لفوهة كونيّة سحبتنا إلى ثقوب سوداء وكواكب أخرى. برقت نجومها البعيدة وأضاءت الشهب الملوّنة دروب أفكارنا، فسبحت كلٌّ منّا خلف أفكارها. عواطف تفكّر في مدرستها، وتسرح مع حلمها بالزواج، وتحلم بأسماء لأطفالها القادمين. وأنا أفكّر بعالم أبعد، أوسع من هذا السطح، وأرحب من هذا البيت، وأكبر من هذا الحي؛ عالم أشارك فيه الناس الذين أفتقد رفقتهم، حتى المشاغبين منهم والأشرار.

أفكّر في عالم أشبه بالأفلام المصريّة التي كنت أشاهدها مساءات الخميس على تلفزيوننا بالأسود والأبيض؛ فهي كلّ ما أعرفه عن العالم الخارجيّ، وقد منحت خيالي صورًا شاهدت نفسي فيها أركب الباص كما تفعل سعاد حسني، وآكل الذرة على شاطئ النيل مثل فاتن حمامة، وأتنزّه على الكورنيش الطويل، أستمع إلى الباعة ينادون على زبائنهم كي يقتربوا، وعند بائع الملبّس أتوقّف وأكشف عن وجهي واشتري كيسًا، آكلُهُ على طريقتهم، ثم أقابل أحدًا أعرفه وأحادثه.

في ذاك العالم نبتت صور أجمل وأكثر خفّة وفرحًا، وفي الخيال الصامت اخترعت مسرحيّات قصيرة، وألّفت قصصًا لم تحدث مع عيسى الحضرميّ بائع الملابس في سوق الديرة.

لقي مسرحي الذي كنت أقيمه على السطح في سهرة كلّ خميس قبول بنات جيراننا. أجلسهنّ في صفوف، كما يجلس المتفرّجون، ثم أنشر شرشفًا على حبل الغسيل بيني وبينهم، أختفي وراءه، وألبس ثياب شخصيّتي المقلّدة. أرفع الشرشف وأخرج عليهنّ وقد لففت جسمي بوشاح أسود ألقي طرفيه فوق ساعدي، ثم أمشي وأنا أميل بخاصرتي يمينًا ويسارًا. ومرّة أربط فوق حوضي شالاً، ثم أبدأ في الغناء والرقص. وأغنّي {خلّي بالك من زوزو، الزوزو اللوزو، كمنوزو}... ومرّات أبكي مثل فاتن حمامة في {أفواه وأرانب}، وأصرخ قائلةً: {هو أنا مش بني آدمة زيّكم برضه}، لكنّ بنات الجيران يحببن أكثر أن أقلّد لهنّ إسماعيل ياسين، وحين أفعل تنتشر بينهنّ موجة كبيرة من الضحك.

وفي آخر السهرة تطلب منّي بنات الجيران أن أغنّي، فأسألهنّ: {أي أغنية تردن؟}. فيصحن بي:

عتاب عتاب.

ألوّح بطرف ثوبي الواسع مثل مروحة تدور، وأهزّ مؤخرتي، ثم أضع يدي على رأسي، وأضرب بكفّي صدغي وأغنّي {جاني الأسمر جاني}، فتصفّق البنات مرّة، ويضحكن مرّة، وأحيانًا يأخذهنّ الحماس فيشاركنني الرقص. وننتهي ونحن نرقص ونغنّي كلّنا.

داهم سكوننا صوتُ طائر ألفته أسماعنا، يعرفه قلب عواطف فيجاوبه بارتجافة منها دون تفكير.

نظرت كلتانا إلى الجدار خلفنا مباشرة، فوجدنا طرف سجّادة صلاة خضراء مُدّت على جدارنا كجناح طائر للتوّ حطّ على الفاصل بيننا وبين بيت أبي سعد. قفزت عواطف، وقفزت أنا الأخرى بالعدوى، فحين تفعل إحدانا عملاً تتبعها الأخرى دون تفكير. قلت بعفويّة وأنا أقفز حماسًا وتوتّرًا:

جاء الطير.

أمسكتني عواطف من يدي وشدّتني قائلةً:

راقبي الجوّ.

تدفّقت حرارة الفرح والإثارة في دمي، فقفزت أذرع السطح ذهابًا وإيابًا، أراقب مكامن الخطر بهمّة جنديّ يتسلّم مهمّته في يومه الأوّل.

مهمّة المراقبة، رغم الخوف والحذر والمصائب المتوقّعة، كانت واحدة من بهجاتي، فتوتّر اللحظة يدفع شيئًا ما في دمي، يخضّني بحدث فريد، يجعلني أكبر وأقوى وأنا أقوم بحماية هذا اللقاء بين سعد وعواطف، أصبح فيه مسؤولة عن حياتين، عن قلبين، عن أخوين، فيطفر قلبي بالأمومة، أتلبّس دور لبوة تحوم حول صغارها، تقفز هنا وهناك فوق الصخور المرتفعة، تنظر عاليًا ثم تهبط.

أطللت على شارع الأعشى من كوّة في جدار السطح، كأنّما أطلّ على {صندوق الدنيا}. أشاهد عزّوز ابن الجيران يركب درّاجته وفي يده علبة من عصير sun top. يرنّ جرس درّاجته، ويتلفّت يمينًا ويسارًا ثم يمضي بعيدًا. موضي، ابنة الجيران، تطلّ من فتحة بابهم، فتسكب دلوًا من الماء المتّسخ، وتلقي نظرة فضوليّة يمينًا وشمالاً فلا ترى أحدًا، ثم تغلق الباب. خالة عويشة، أمّ سعد، تطلّ من بابها وبيدها مكنسة، تكنس ركام منزلها ثم تدفعه وترمي ترابه في الشارع، وتكنس بعده عتبة الباب وهي تغطّي وجهها، ثم تعود وتغلق الباب. {بيك آب} العم أبو فلاح يدسّ مقدّمته قبالة بابهم، ويهبط منه هو وأبناؤه الخمسة. لحظات أخرى ثم يهدأ الشارع ويعمّه السكون. أنظر إلى السماء. أسراب الحمام تتّجه نحو الغرب، تصفق بأجنحتها حرّة طليقة، ثم أشاهد رأسين على السطح المقابل لشارعنا، فأعرف رأس فاطمة بنت عمران، وألمحها تلوّح بيديها لرأس شابّ صغير مثلها على سطح يفصلها عنه منزلان. هذا إذن هو سلمان الذي أخبرتني عنه. تقف من بعيد تلوّح له بيديها وهو يلوّح لها بالقبل.

جرّت عواطف القصيرة صندوقًا من الخشب ووضعته تحت قدميها وارتقته، فوصل حدّ الجدار إلى مقدّمة صدرها، وضعت كوعها على حافّة الجدار فوق سجّادة الصلاة الخضراء وأطرقت خجلاً.

سألها سعد عن شعرها المبلّل، فقالت بخجل:

عزيزة رشّت عليّ الماء.

ثم ضحكا.

سأل سعد عواطف:

لم أرَ فوّاز في صلاة المغرب؟

فتسأله عواطف عن أمّه:

ما شفنا أمّك اليوم العصر.

هكذا هي أحاديثهما، تبدأ بالسؤال عن غيرهما، لقد تعلّما الحبّ مشتركًا بين عائلتين.

سمعا صوت والد سعد قادمًا من أسفل:

يا سعد، إلحق الصلاة.

يهبط سعد عن جداره وينظر إلى عواطف مودّعًا:

غدًا ألقاك عند صلاة العشاء.

كعادتها، نزلت عواطف من فوق الصندوق ككلّ مرّة، تقاوم الدوار اللذيذ الذي يؤرجحها بعد كلّ لقاء. تضع كفّيها على قلبها الذي ينبض كقلب طير تحرّر من أسره، ثم ترمي بنفسها على الفراش وتستمتع بدوارها الذي يحلّق بها في دوائر ومربّعات. وعند هذه اللحظة وقفت عفاف الصغيرة فوق رأسينا تلهث ثم صاحت:

ملوّن ملوّن.

ثم عادت تركض هابطةً إلى الأسفل.

هبطنا الدرج نركض خلفها، فوجدنا أبي يحمل تلفزيونًا جديدًا أخرجه من صندوق كارتونيّ كبير، ووضعه مكان تلفزيوننا القديم الصغير، ثم قال لأمّي: {ناوليني المنشفة التي في يدك} ومسح بها شاشته الزجاجيّة السوداء المغلقة، ثم ضغط زرًّا على جانب الصندوق فظهرت صورة نراها للمرّة الأولى ملوّنة.

المذيع السمين يمدّ المايكروفون قرب أفواه أناس، ويطلب منهم الحديث. ظهرت غترته حمراء، والأشجار الصناعيّة التي خلفه خضراء وثيابهم شديدة البياض.

جلسنا كلّنا أمام الشاشة الملوّنة فاغري الأفواه، نحدّق في عالم التلفزيون الجديد. أبي وأمّي وعفاف وعلياء وعواطف وأنا. بدَوْنا في صمتنا وكأننا قد خُطفنا، وحلّق بنا السندباد فوق بساط سحر. طِرنا إلى زمن آخر.

سنشاهد الليلة المسلسل اليوميّ {الليل الطويل} بالألوان.

قلت أحدّث عواطف التي اتّسعت عيناها دهشة، فقالت:

الله، حلوة الألوان.

بعد صلاة العشاء هشّت أمّي قطيعها الصغير نحو السطح. تجرّ عفاف النائمة من يدها، تتبعها علياء، يتبعهنّ والدي حاملاً الراديو، يصدح بصوت مذيع رخيم وهو يقول: {هنا لندن} فتدقّ الساعة معلنةً موعد أخبار النشرة الخامسة بتوقيت لندن، وفي مقدّمتها خبر عن الرئيس السادات.

أسمع صوت والدتي يقول:

لا تنسيا غسل الصحون وإطفاء الأنوار.

جلست أنا وعواطف نأكل بقايا العشاء، في الصحن أمامنا، هي تأكل الجبن والمربّى، وأنا أكتفي بشرائح البطّيخ الأحمر. كلّما ظهرت صورة ملوّنة تصفّق عواطف، وتقول: {ما أجمل الألوان؟} أمّا أنا فأحلّق في عالم من الرفاهية، يشبه زيارة مدينة ألعاب ضخمة، يخفق فيها القلب وتبرد فيها الأطراف، حتى قلبي صفّق هو الآخر وقال: {أجل، ما أجملها!}

حملت عواطف الصحون إلى المطبخ وجلست وحدي أمام شاشة التلفزيون الملوّن، أسمع صوت عواطف يهدل {يُمّا القمر على الباب... ضَوّا قناديله!}

بدأت موسيقى المسلسل المصريّ فناديتها:

بسرعة يا عواطف، بدأ المسلسل.