أنا مجرد مراسلة لذا لا تحمل آرائي عن الناحية الجمالية في الأفلام أي قيمة مهمة. لكن بصفتي واحدة من الصحافيين القلائل الذين غطوا محاكمة سبيكتور بتهمة القتل، يمكن أن أجزم بأن فيلم Phil Spector الذي يتناول سيرة الموسيقي فيل سبيكتور الذاتية هو في الحقيقة أشبه بعبوة ناسفة.

في زمنٍ يتكل فيه ملايين الناس على برنامج The Daily Show لمتابعة الأخبار واختيار المرشحين عن فئة أفضل تصوير وتعلّم بعض الدروس التاريخية، هذا الوضع يخيفني. لن يعرف معظم المشاهدين الكثير عن قضية سبيكتور. وحين ينتهي البرنامج، ستكون معلوماتهم شائبة جداً. لكنهم لن يدركوا ذلك.

Ad

يمكن أن أتوقع رد فعلهم بعد انتهاء الفيلم: {يا للعجب! لم نكن نعلم أن فيل سبيكتور كان يخضع للضغوط. لا شك في أن هيئة المحلفين غبية جداً. النظام القضائي كله عبارة عن مهزلة}.

يحق لصانعي الأفلام طبعاً أن يضيفوا لمستهم الفنية إلى أعمالهم، لا سيما إذا كان الشخص موهوباً مثل الكاتب والمخرج ديفيد ماميت. لكن تكمن المشكلة هنا في واقع أن الفيلم يخلط بين الواقع والخيال، ما يعني تقديم معلومات مغلوطة. تحمل الشخصيات الأسماء الحقيقية للمشاركين في القضية ويبدو الحوار مستوحى مباشرةً من محاضر جلسات المحاكمة، وقد برع آل باتشينو في تجسيد طريقة مشي سبيكتور وصوته. لكن حين يتمادى الفيلم في الادعاءات التي يطرحها (كما يفعل في مناسبات متكررة)، ما من إنذار لتحذير المشاهدين.

المزعج أن الفيلم يرتكب الجريمة نفسها التي يدينها. يعتبر فيلم {فيل سبيكتور} أن أي شخصية مشهورة وغريبة لا تستطيع الاستفادة من محاكمة عادلة لأن الرأي العام الجاهل والمتعطش للدم يغفل بشكل مقصود عن الوقائع. لكن يدعم الفيلم نظريته من خلال تجاهل الأدلة وتشويهها والاستخفاف بها.

بالنسبة إلى كل شخص لم يَمضِ معظم أيام السنة في قاعة محكمة بلا نوافذ مع سبيكتور، إليكم بعض الوقائع السريعة: في 3 فبراير 2003، قابل سبيكتور ممثلة تحاول تطوير مهنتها، اسمها لانا كلاركسون، في ملهى "سان سيت ستريب” حيث كانت تعمل كمضيفة. ثم توجّها إلى مزرعته قبل أن تتعرض لإطلاق النار في فمها بعد ساعتين فيما كانت تجلس على كرسي مقابل الباب الأمامي.

بعد اعتقال سبيكتور للاشتباه بأنه ارتكب جريمة القتل، ادعى الأخير أن كلاركسون قتلت نفسها. وصلت هيئة المحلفين الأولى التي دققت في القضية إلى طريق مسدود حين اعتبره عشرة منهم مذنباً ولم يوافقهم الرأي اثنان من المشاركين. ثم أدانته هيئة محلفين ثانية في عام 2009.

غياب الأدلة

في الفيلم، تتكرر الفكرة التي تشدد على عدم وجود أدلة تثبت أن سبيكتور هو من ضغط على الزناد.

تصر محامية الدفاع ليندا كيني بادن: {لا يستندون إلى أي وقائع!}. يذكر الفيلم أن هذا الأمر واضح بوضوح سترة سبيكتور البيضاء. يصر الفيلم على أنه لو أطلق النار عليها، لكان النسيج الأبيض تلطخ بالدم.

في الحقيقة، وُجد الدم على سترة سبيكتور: وفق شهادة الخبراء، رُصدت بقع ضئيلة بالقرب من طية صدر السترة، ما يعني أن سبيكتور لم يكن على مسافة أبعد من ثلاثة أقدام من وجه كلاركسون عند إطلاق النار. وُجدت بقعة دم ضبابية مماثلة على الجهة الخارجية من معصم كلاركسون، ما يشير بحسب الخبراء إلى أن يديها كانتا في وضعية دفاعية عند إطلاق النار ولم تكونا على الزناد.

ثم نصل إلى شهادة السائق. اعتبر سائق سبيكتور بأن رب عمله خرج من مزرعته بعد فترة قصيرة من إطلاق النار وكان يحمل مسدساً بيده الملطخة بالدم. اقتبس كلام سبيكتور حين قال: {أظن أنني قتلتُ شخصاً}. يشير الفيلم إلى أن مباحث الشرطة الفاسدة أجبرت السائق على التفوه بهذه الشهادة المصيرية عبر التهديد باتهامه بالتورط في الجريمة.

لكن ما من أدلة على ذلك ولم يزعم محامو سبيكتور هذا الأمر يوماً خلال المحاكمة. ربما لم يحصل ذلك لأن السائق أخبر أول شرطي دورية حضر إلى ساحة الجريمة عن تعليق سبيكتور ولم يغير كلامه في المقابلة المسجلة لاحقاً مع المحققين.

على صعيد آخر، شهدت خمس نساء في المحكمة وقد ذرفن الدموع عند التأكيد على أن سبيكتور سحب المسدس في وجههن حين حاولن مغادرة منزله من دون إذنه. أصرت النساء على أن معاقرة الكحول والأمنيات الرومنسية المنهارة حوّلت شاباً شهماً وتقليدياً إلى وحش. لكن يغفل الفيلم عن أهمية تلك الشهادات على اعتبار أن السيدات كن يبحثن عن بعض الشهرة بدل أن يقدّرن قيمة الوقت الذي عِشْنَه مع ذلك العبقري.

ادعى فريق الدفاع عن سبيكتور أن كلاركسون (40 عاماً) انتحرت لأنها فقدت الأمل من النجاح في هوليوود. يتبنى الفيلم في نهاية المطاف نظرية ثانية مفادها أنها أطلقت النار على نفسها عن طريق الخطأ فيما كانت تلعب بالمسدس بطريقة مغرية.

لكنه لا يذكر أن كلاركسون ماتت فيما كان شريط حقيبتها على كتفها. قد يبدو هذا التفصيل سخيفاً بالنسبة إلى الرجال. لكني أسأل النساء: هل حمل الحقيبة مؤشر على أنّ المرأة تنوي الانتحار أم خوض لعبة جنسية أم المغادرة؟

نسخة خيالية

استباقاً لأي انتقادات، اعتبرت شبكة {إتش بي أو} أن الفيلم يطرح {نسخة خيالية} من القضية.

يذكر الفيلم في بدايته عبارة: {هذا الفيلم عمل خيالي وهو لا يرتكز على قصة حقيقية. إنها قصة درامية مستوحاة من أشخاص حقيقيين خضعوا للمحاكمة ولكنها ليست محاولة لتجسيد الشخصيات الحقيقية ولا التعليق على المحاكمة أو نتائجها}.

كانت تلك الملاحظة صادمة بالنسبة إلي ولم تكن تهدف إلى مساعدة المشاهدين بل تحذير الناس الذين يعرفون تفاصيل القضية: أي محاولة لتحديد الوقائع المتضاربة في الفيلم ستنم عن جهل فني!

بدل التدقيق بقضية سبيكتور الحقيقية والأفكار التي تنشرها عن النظام القانوني الأميركي، يفضّل الفيلم التأمل بما تعتبره شبكة {إتش بي أو} {طبيعة الشخصيات المشهورة} وكيف ساهمت تلك الطبيعة في صقل شخصية سبيكتور. ثمة لقطات طويلة حيث يحلل زملاء سابقون ومحامون وحتى المدعى عليه الأسباب العامة للظلم.

يقول باتشينو أثناء تجسيد دور سبيكتور: {إنه تعبير عن الحسد. الإنجازات المدهشة... تحوّل الأوفياء إلى مجرد متفرجين والحسّاد إلى عصابة متآمرة}.

لا شك في أن علاقة ثقافتنا بالشهرة تفتح المجال أمام التعليقات ولكن لم يتضح بعد السبب الذي دفع ماميت إلى اختيار سبيكتور لنقل أفكاره. حين وصلت القضية إلى المحكمة في عام 2007، لم يكن سبيكتور مشهوراً بقدر كيم كارداشيان مثلاً. فهو لم يكن قد أنتج أي أغنية ناجحة منذ عقود ولم يكن مشهوراً بمعنى الكلمة بل كان يمكن استعمال اسمه لطرح سؤال شائك في برنامج Jeopardy!

ما كان يمكن أن يحسده المحلفون المحتملون لأنهم لم يعلموا من كان، وهو واقع يعترف به الفيلم ولكنه يعود ويتناسى ذلك حين يتطرق إلى طبيعة الفنانين الغريبة والمحاكمات العادلة. إنه تأكيد مثير للجدل بعد تبرئة روبرت بليك ومايكل جاكسون في السنوات التي سبقت محاكمة سبيكتور.

من خلال تحويل قضية سبيكتور إلى حجة في غير محلها، فُقد جزء كبير من العوامل التي أضافت ناحية مبهرة إلى قضيته. يصور الفيلم سبيكتور على أنه نسخة من شخصية {السيدة هافيشام} في عالم صناعة الموسيقى، فهو يتنقل بين الغرف اللامتناهية المليئة بالتذكارات العفنة في مزرعته ويتكلم باستمرار عن جون لينون وليني بروس.

لا يعترف الفيلم بأن سبيكتور كان ينعم بزواج سعيد في وقت المحاكمة. كان قد قابل زوجته (مغنية طموحة وأصغر منه بأربعة عقود) بعد الجريمة وقد دعمته طوال فترة المحاكمة وكانت تساعده على انتقاء شعره المستعار في كل يوم من المحاكمة وتشبك ذراعها بذراعه عند دخول قاعة المحكمة.

كان فريق الدفاع عن سبيكتور عبارة عن مهزلة قانونية أبطالها خمسة محامين حققوا النجاح في الماضي وحاولوا إثبات أنفسهم في قضية حصدت تغطية إعلامية وطنية واسعة. هُزم فريق الدفاع النافذ بشكل منهجي في الجلسات الافتتاحية لدرجة أن المحامي الأساسي الذي يدافع عن سبيكتور، بروس كاتلر من نيويورك، توسل القاضي لتأخير المحاكمة بشكل عاجل، فتمتم على طريقة سكّان بروكلين: {أشعر بأنني مهزوم وكأنني أقف عرياناً أمام المحكمة!}. يتجاهل الفيلم ثلاثة من المحامين الآخرين ويغيّر في معالم الشخصيات.

حبذا لو تطرق ماميت إلى موضوع الشهرة والعدالة من خلال كتابة قصة خيالية بمعنى الكلمة. أما تشويه قضية سبيكتور فيُضعف ثقة الرأي العام بنظام هيئة المحلفين. إذا كانت المحاكمة تهدف كما يُقال إلى البحث عن الحقيقة، فيبدو فيلم {فيل سبيكتور} محاولة غريبة لإخفاء تلك الحقيقة.