إن المقصود بالاقتصاد الإنساني المفقود هو الإشارة إلى ظاهرة تهميش مؤشرات اقتصادية مهمة لها بعد إنساني يمس حياة الناس، مثل مؤشرات الفقر والبطالة وتوزيع الثروة، عند تحليل اقتصاد ما لصالح تغليب مؤشرات اقتصادية فنية، مثل النمو الاقتصادي وأداء البورصة، والتي رغم فائدتها فإنها لا يمكن أن ترسم صورة دقيقة للاقتصاد، ومن الصعب أن تجذب أغلب الناس للاهتمام بالاقتصاد كمجال ذي معنى في حياتهم.ولإيضاح هذه الظاهرة يمكن أن نضرب مثلا في أحد أهم التقارير الاقتصادية الدورية في العالم، وهو تقرير صندوق النقد الدولي World Economic Outlook عن وضع الاقتصاد العالمي ومستقبله، والذي على الرغم من أن آخر نسخه لشهر أكتوبر تقع في 132 صفحة، إضافة الى 98 صفحة من الملاحق، فإن كلمتي «فقر» و»عدم المساواة» في توزيع الثروة لا تردان في النص الأصلي سوى مرة واحدة فقط، وضمن هامش متعلق بإحدى الرسومات البيانية في الصفحة 74، بينما تتصدر التقرير كلمات مثل «النمو الاقتصادي» و»السياسة المالية» وغيرهما من المصطلحات الفنية.
ومثال آخر، وربما أكثر التصاقا بالأحداث الجارية، يتمثل في التغطية الصحافية للأحداث الاقتصادية في العالم، ومنها مثلا النقاش في الولايات المتحدة حول تعليق أعمال الحكومة نتيجة عدم إقرار ميزانيتها، والنقاش حول رفع سقف الدين الحكومي، فنحن إذ نقرأ عن ردة فعل «الأسواق العالمية» ومؤشرات البورصات تجاه الموضوع، وهذه مؤشرات تتعلق بشكل أساسي بالشركات وأصحاب رؤوس الأموال، فإننا نادرا ما نحصل على الحد الأدنى من التغطية عن مؤشرات أخرى لا تقل أهمية.فقليلا ما نشهد تحليلا عن عدد الفقراء في الولايات المتحدة، والذي بلغ عام 2012 نحو 46.5 مليون شخص، أعلى عدد منذ البدء في تجميع البيانات الرسمية الأميركية في خمسينيات القرن العشرين، ويمثل نحو 15 في المئة من السكان، بينما بلغت نسبة الفقر بين الأطفال نحو 21.8 في المئة، أي نحو واحد من كل خمسة أطفال. وشريحة الفقراء هذه قد تكون ضمن الأكثر تأثرا في حال تدهور حال الحكومة الأميركية، لأنهم يعتمدون على برامج الإعانة الاجتماعية والمؤسسات الحكومية كالمدارس، فضلا عن غير المشمولين في الضمان الصحي، والذين بلغ عددهم عام 2012 نحو 48 مليون شخص، وهم المعنيون المباشرون ببرنامج الرئيس أوباما لإصلاح النظام الصحي، والذي هو أساس الخلاف مع الجمهوريين الذين يمنعون إقرار الميزانية الحكومية، فكيف يتم تجاهل هذه المؤشرات وهي في صلب القضايا محل النقاش؟أما المثال الأخير والمستمر على تجاهل كثير من الاقتصاديين والصحافة للجانب الإنساني من تحليلهم الاقتصادي فيتعلق بأزمة منطقة اليورو المستمرة، التي انحدرت ببعض الدول الى قيعان عميقة، حيث تتجاوز البطالة في اليونان واسبانيا نسبة 15 في المئة منذ فبراير 2011، وبلغت مؤخرا في اليونان نحو 27.9 في المئة، وفي اسبانيا نحو 26.2 في المئة، أي أكثر من 7 ملايين شخص في البلدين، يمثلون أكثر من ربع قوة العمل في المجتمَعين، بينما بلغت بطالة الشباب في اليونان نحو 61.5 في المئة وفي اسبانيا نحو 56 في المئة، وهي معدلات مرتفعة تعني أن أكثر من نصف قوة العمل الشبابية تُهدر في البطالة.ومن الصعب أن نفهم التحولات السياسية والاجتماعية في أوروبا، مثل صعود اليمين النازي في اليونان، دون فهم الانهيار الاقتصادي الذي يعيش في ركامه المجتمع، والذي يدفع البعض للسعي الى التخفيف عن كاهلهم بتكديس حصتهم من الركام بعنصرية فوق ركام الآخرين ولومهم على الانهيار، كما كان حال ألمانيا أثناء الكساد الاقتصادي الذي مهد لصعود النازيين قبل الحرب العالمية الثانية.ليس المطلوب التخلي تماما عن المؤشرات الاقتصادية الفنية، بل المطلوب الموازنة بينها وبين المؤشرات الاقتصادية ذات البعد الإنساني، الذي يمكن أن يستوعب الناس فائدتها بسهولة نسبية، كالبطالة والفقر وتوزيع الثروة، ولعلنا بتحسين زاوية نظرنا ننجح في تحويل الاقتصاد من مجال رقمي جاف لا يهتم به أغلب الناس إلى مجال حيوي ومفهوم وذي دلالة إنسانية.
مقالات
وجهة نظر: الاقتصاد الإنساني المفقود
12-10-2013