مع زحمة الندوات والشعارات والوعود التي قدمت في الانتخابات الأخيرة، وبعد أن تمكّن للبعض الكرسي والمنصب، ستكشف الأقنعة التي لبسها المرشح من خلال تصاريحه ومقابلاته، وسيرى الناخب مدى مصداقية شعار من ولاه ثقة الصوت.

وهنا استذكر قصة قرأتها عن مرشح رئاسي لإحدى الدول الإفريقية الغنية بمواردها الطبيعية، ولكن الفساد استشرى في كل مؤسسات الدولة، فأتى هذا المرشح المعروف بنزاهته لدى الطبقة العاملة، وأطلق الوعود والشعارات الرنّانة بمحاربة الفساد وتطهير الدولة من المفسدين.

Ad

وبالفعل استطاع الوصول إلى الرئاسة، وبكل صدق ونزاهة أخذ يطهر مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى من الفساد والمفسدين، حتى رأت تلك الدولة ازدهاراً غير مسبوق، وأخذت حيزاً من الدعم العالمي كنموذج لدول العالم الثالث التي استطاعت تطبيق الديمقراطية الصحيحة.

وقبل انتهاء مدة رئاسة هذا "المنقذ" كما أطلق عليه مناصروه خرج يخطب في أبناء شعبه يبشرهم بأن زمن الفساد والمفسدين قد انتهى دون الرجعة، وأنه صدق في وعوده لهم كشعب وثق به، ولكن قد تبقى أمر أخير عليه أن يتممه ليكون بالفعل قد قضى على الفساد وفتح صفحة جديدة بيضاء لبلده وشعبه.

فخطب في شعبه يخبرهم أنه اكتشف أرصدة للمفسدين في إحدى الدول الأوروبية المعروفة بسرية أنظمتها المصرفية، وأنه سيذهب شخصياً كرئيس دولة، في محاولة لإقناع البنوك بإرجاع الأرصدة إلى الدولة، وبذلك قد يكون أتم وعوده التي ترشح عليها وصدق مع الشعب واستحق ثقتهم الممنوحة له.

وبالفعل توجّه الرئيس إلى تلك الدولة الأوروبية وحدد موعداً مع أحد مديري البنك الذي حمل أغلبية الأرصدة الضخمة للمفسدين. وقبل أن يبدأ الرئيس كلامه مع مدير البنك، سبقه الأخير بالاعتذار عن كشف أسماء عملاء البنك، لما تقتضيه اللوائح المصرفية من سرية والتزام بحفظ حقوق عملائها.

فبدأ الرئيس يخاطب مدير البنك بحدة مهدداً بالمنظمات الدولية والضغوط السياسية، فلم يزد ذلك مدير البنك إلا إصراراً على موقفه. فما كان من الرئيس إلا أن أخرج سلاح من حقيبته ووجهه إلى مدير البنك مطالباً منه بالقوة أن يكشف له الأرصدة وتفاصيلها، فرفع المدير سماعة الهاتف أمامه وطلب من مساعدة الدخول للمكتب، وبكل هدوء أبلغ مساعده أن يقف شاهداً بأن الرئيس قد طلب منه كشفاً بتفاصيل لأرصدة بالبنك، وهو على غير استعداد أن يكشفها التزاماً منه بقوانين البنك ولوائحه، فابتسم الرئيس مفاجئاً المدير ومساعده ووضع السلاح جانباً، وقال بما أننا قد اكتشفنا مدى مهنية هذا البنك والتزامه بالسرية لنتكلم عن طريقة فتح حساب شخصي.

****

النظام الانتخابي والعملية الانتخابية كلها لم تشهد ولادة شراء الذمم والطائفية والعنصرية والفئوية، فهي ولادة قديمة للحكومة بفعل اغتصاب جماعي من قبل أصحاب النفوذ والفاسدين والمفسدين وبارك ولادتهم الشعب.