لا مفر من الانزعاج عند تشغيل التلفزيون ورؤية جاك سترو وهو يتحدث عن الحاجة إلى التحرك العسكري ضد دكتاتور بعثي يستعمل أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه. ظهر توني بلير بدوره للحث على التحرك لأسباب أخلاقية، فحصل ذلك كله قبل أن يبدأ مفتشو الأسلحة التابعون للأمم المتحدة بكتابة تقريرهم، تتبع عملية اتخاذ قرار التدخل في سورية المنطق الشائب نفسه وتطبّق الخطوات الخاطئة عينها مثل المرة السابقة، لكن في العراق على الأقل، وُضعت خطة أولية واضحة: الغزو ثم تغيير النظام وإرساء الديمقراطية، أما خطة التحرك في سورية، فلا تتسم بوضوح مماثل.

Ad

لا شك أن التقارير التي تشير إلى مقتل 1800 شخص بسبب غاز السارين الذي استعمله نظام بشار الأسد موثوقة على نحو مريع. في سورية تُرتكب الفظائع هناك بشكل يومي ومن جميع الأطراف (لا ينحصر الصراع الآن بين جهتين فقط). غالباً ما يُقال إن عدد الضحايا وصل إلى 100 ألف حتى الآن، لكن نادراً ما نسمع أن ذلك العدد يشمل 27 ألف شخص قتلهم الثوار (وقد كشف بعضهم عن مستوى وحشي بقدر الأسد على الأقل). في وقت سابق من هذا الأسبوع، أقدم هؤلاء على قطع رأس رجل دين بتهمة الردة. يرفرف علم "القاعدة" الأسود فوق القرى التي يسيطر عليها الثوار والتي تشهد منذ فترة عمليات إعدام من دون محاكمة، فإذا استولوا على دمشق، يمكن أن نتخيل نوع النظام الذي سينشأ في المرحلة اللاحقة.

يتضح للأسف ضعف جيوش حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من لندن إلى إسطنبول، حين توحي بأن "التحرك" في سورية يعني فعلياً الضغط على البيت الأبيض كي يستعمل البحرية الأميركية. لكن هذه المشكلة هي ذاتية الصنع، خفّضت أوروبا حجم جيوشها منذ عقود، وقد عمد ديفيد كاميرون إلى تسريع تلك العملية حين قرر مثلاً أن بريطانيا تستطيع التخلي عن حاملات الطائرات وأصر على ضرورة تقليص حجم الجيش بمستويات غير مسبوقة منذ القرن التاسع عشر. يركز باراك أوباما من جهته على الجانب الآخر من المحيط الهادئ وليس الأطلسي. هو لا يجرؤ على خوض هذا الصراع بل يماطل قبل إطلاق التحرك لأنه هدد بحصول "عواقب" وخيمة في حال استعمال الأسلحة الكيماوية، بعد أن أصبحت مصداقيته على المحك، يجب أن يتحرك.

لكن قد يكون هذا الرد المحدود مؤشراً على الضعف بدل القوة، فردع حركة "طالبان" حين أطلقت حكومة بيل كلينتون الصواريخ نحو أفغانستان في عام 1998 رداً على اعتداء ضد السفارات الأميركية لم يكد يتم. سبق أن أوضح البنتاغون أنه لا ينوي إضعاف نظام الأسد (ربما لأن فكرة سيطرة المجاهدين على مخابئ الأسلحة الكيماوية تبدو أكثر فظاعة)، وبالتالي، نبدو وكأننا نناشد الأسد كي يقتل أعداءه بالوسائل التقليدية.

لهذا السبب تسقط حجة التدخل، فهي بدون هدف، ففي أفغانستان والعراق وليبيا، كان الهدف يقضي باستبدال الحكم الدكتاتوري بقائد مُنتخَب. في سيراليون، كان الهدف هو ردع العصابات التي تقطع الأيادي وتدمر فريتاون، وفي سورية، يقتصر الهدف على إبداء رد معين (إطلاق صواريخ "توماهوك" نحو دمشق لتنفيذ تهديد باراك أوباما بحصول "عواقب" ضد الأسد).

في الحالة الطبيعية، تُعتبر دعوة البرلمان للانعقاد أشبه بعقد جلسة علاجية مكلفة بالنسبة إلى السياسيين الذين يشعرون بأن العالم يحتاج إلى معرفة آرائهم. لكن ساهم الجدل هذه المرة في تفنيد التعقيدات التي وُضعت جانباً في الملف العراقي. أعلن آدم هولواي، جندي سابق، أنه سيدعم التحرك العسكري إذا كان هدفه واضحاً، لكنه يتساءل: ما الذي سيحققه هذا التحرك؟ يملك الأميركيون جميع الصواريخ التي يحتاجون إليها. الطريقة الأكثر فاعلية التي تسمح لبريطانيا بتقديم المساعدة هي دعم أعداء الأسد المحليين: تركيا ولبنان والأردن. في المقابل، تبقى خياراتنا العسكرية محدودة جداً.

لكن لا يتضح ذلك في لغة رئيس الوزراء، فهو يتحدث وكأنه يتمنى التدخل فعلاً لوقف القتال. يصف مستشاروه الذين يؤيدون استعمال القوة في سورية بالحالة التجريبية لعدم التدخل، وكأنّ مقتل 100 ألف شخص جاء نتيجة سياسة بريطانية. يستعمل رئيس الوزراء أيضاً لغة مماثلة لطرح مفهوم "عدم تحريك أي ساكن". لقد وضع نفسه ضمن تقليد جديد لكنه مدعوم من شريحة واسعة يعتبر التدخل الإنساني بمنزلة حرب مشروعة بفعل مبدأ مسؤولية الحماية. في مرحلة معينة، أراد توني بلير تطبيق هذه السياسة البريطانية، فقال: "إذا تكررت إبادة رواندا مجدداً، فسيكون من واجبنا الأخلاقي أن نتحرك هناك".

إنها أهداف نبيلة حتماً، لكن يعج العالم بالصراعات وترتفع حصيلة القتلى في بعض الأماكن أكثر من سورية، فالحرب الأهلية في طاجيكستان قتلت 50 ألف شخص، وبلغت هذه الحصيلة 150 ألفاً في الجزائر والكونغو، وقُتل 300 ألف في دارفور. لكن لم تتدخل بريطانيا في أي من تلك الصراعات لسبب بسيط: لم نعلم كيف يمكن أن نقدم المساعدة، وينطبق الأمر نفسه للأسف على سورية اليوم. سيكون تسليح الثوار كفيلاً بسقوط قتلى إضافيين، ويمكن أن يعزز انتصار الثوار نفوذ "القاعدة" ويمهّد بكل بساطة لمرحلة جديدة من الحرب مع إطلاق حملات انتقامية طائفية ووحشية.

في السنوات الأخيرة، اكتسبت بريطانيا عادة خطيرة تقضي بتحديد الغايات من دون تحديد الوسائل، وهذا ما أدى إلى كارثة البصرة التي بقيت تحت رحمة فِرَق الموت الشيعية لأننا لم ننشر ما يكفي من القوات لحفظ السلام. وفي أفغانستان، كانت قواتنا التي تفتقر إلى التجهيز تحتاج إلى التعزيزات الأميركية حين تخرج الأمور عن السيطرة، وتعلّمنا من سنوات حكم بلير ألا نخوض لعبة لا يمكن الفوز بها.

لا شك أن دوافع كاميرون نبيلة، وهو محق لأنه يريد رؤية بريطانيا كبلدٍ يسعى إلى رسم معالم العالم بدل أن يتبع خطى العالم، وربما فاجأ الجميع وتفاجأ من نفسه أيضاً بسبب نزعته إلى تأييد التدخل ومستوى كرهه لمقاربة "عدم تحريك أي ساكن". لكن بعد تخفيض مستوى الجيش لهذه الدرجة، من الأفضل أن يعتاد على هذا الوضع.