عرفت الأخ العزيز عبدالمحسن جمعة عن قرب... شخصية يغلب عليها الهدوء والاتزان والحيادية واحترام الرأي الآخر، لكنني فوجئت عندما قرأت مقاله المعنون "معظمكم يحمي المال السياسي!"، والذي نشر في "الجريدة" بتاريخ 2013/7/25، والذي تحدث فيه عن تجربته الشخصية مع أحد المرشحين في انتخابات 2008 البرلمانية، وتبنيه مع الأخ مشاري الرشيد فكرة اقتراح بقانون "تحديد الإنفاق الانتخابي" والرقابة عليه.

وذكر في سياق المقال أنهم عرضوا الفكرة على مرشحهم بالدائرة -وهو يعني الدائرة الثالثة- وقد وعد بتبنيها مع مرشحين آخرين، وبمجرد فوزه في الانتخابات راجعه الأخ عبدالمحسن بعد أن أصبح نائباً عدة مرات لتبني القانون سالف الذكر، فما كان منه إلا إعطاء الوعود تلو الأخرى دون تنفيذ، وذكر بعد ذلك أن النائب ذاته هو الآن مقاطع "ويعرض خطب الإصلاح الرنانة ويدين بقلب حزين ما يجري من تدخل المال في العملية الانتخابية"... هنا انتهى حديث الأخ عبدالمحسن جمعة، والذي لم يتصف بالشجاعة التي عرفتها عنه!... ليسمي هذا النائب، ولو من باب الشفافية مع القارئ!

Ad

ومع ذلك لم يكن للمنبر الديمقراطي، الذي ينتمي له الأخ عبدالمحسن، إلا مرشح واحد في الدائرة الثالثة، وهو كاتب هذه السطور، وقد كان للأخ مشاري والأخ عبدالمحسن موقف داعم معي أثناء الانتخابات التزاماً بموقف التنظيم السياسي وهو المنبر، لكن ما كنت أتمناه أن يكون شجاعاً وواضحاً كما عهدناه فيسمي الأمور بمسمياتها! ومع ذلك فقد آليت على نفسي أن أرفع عنه الحرج... لكن فليسمح لي بأنني لن أتمكن من مجاراته باختلاف الروايات والقصص!

فإن كان فعلاً قد اقترح علي هذا المقترح لأتبناه (قانون مراقبة الإنفاق الانتخابي) فما علاقة هذا الاقتراح بظاهرة شراء الذمم؟! أو استخدام المال السياسي بشكل غير شرعي؟!... إلا إذا كان يرمي لشرعنة شراء الأصوات وتقنينها!!

فالقانون الذي اقترحه، كما يدعي، يفترض به تنظيم عملية الصرف المشروع على الحملات الانتخابية، بوضع سقف أعلى للأموال التي تصرف على الدعاية والإعلان بوسائل الإعلام، وعلى المقار الانتخابية وغيرها من مصاريف، لضمان خلق بيئة تنافسية عادلة للمرشحين لا يتفوق فيها من يملك المال بوفرة على من موارده المالية محدودة... فأين الرابط بين المقترح ومحاربة ظاهرة شراء الأصوات؟ خصوصاً أن المال السياسي "القذر" لا يدخل في حسابات تجار الضمائر بسذاجة!! ولأن عزيزنا على ما يبدو غير متابع للشأن البرلماني فقد تم فعلاً تقديم هذا القانون أثناء عضويتي من أحد الزملاء، وعرض علي، وكنت من أشد الداعمين له، لكنه لم يعرض على المجلس ويقر بسبب الحل.

أما عن جريمة الرشوة الانتخابية "شراء الأصوات" فهي أصلاً مجرمة بقانون قبل أن أتشرف بعضوية المجلس، وتعد جناية لمن يرتكبها، لكن انتقائية السلطة في تطبيق القانون أحياناً وعدم تطبيقه معظم الأحيان جعلت هذه الظاهرة الخطيرة تستفحل وتظهر بشكل علني ومقزز... خصوصاً في الانتخابات الحالية، وببركات "الصوت الواحد" الذي جعل من الوصول إلى قاعة عبدالله السالم عملية سهلة ويسيرة بحكم قلة الأصوات المطلوبة للنجاح، ما جعل المال السياسي السلاح الناجح لمن لا ضمير له ولا ذمة، عدا تعزيز ظواهر أخرى كنا موعودين بالقضاء عليها أو على الأقل الحد منها، من خلال مرسوم "الصوت الواحد"، كالاصطفاف الطائفي والتخندق القبلي والعائلي بشكل غير مسبوق، فالمرسوم الذي عاب علي عزيزنا اعتراضي عليه وقاطعني بسببه، قد قسم المقسم ومزق الممزق أصلاً، فهنيئاً لك به إن كنت من مؤيديه!

ختاماً، دوري في محاربة المال السياسي والتكسب غير المشروع أترجمه دائماً بعمل ملموس، وحرصي تمثل من خلال المبادرة بتقديم العديد من الاقتراحات بقوانين أثناء عضويتي بمجلسي 2008 و2009، كقانون تضارب المصالح وقانون كشف الذمة المالية وحماية المبلغ وتعديل قانون محكمة الوزراء وقانون إنشاء النيابة الإدارية والمحاكم التأديبية، وغيرها من اقتراحات بقوانين، بل وبادرت إلى طلب جلسة خاصة لإقرار حزمة من تلك القوانين، لكن وبكل أسف كان توجه المجلس آنذاك بسحبها واستبدالها بـ"هيئة مكافحة الفساد"، التي لم تر النور إلا قبل أشهر قليلة وبمشروع قانون حكومي مشوه.

كلمة أخيرة لأخ عزيز... لقد تعلمت من أسرتي ومن رموزنا الكبار ألا أفجر في الخصومة... وأن أحترم كل الآراء وإن اختلفت معها... تعلمت أن أكون شجاعاً وأسمي الأشياء بمسمياتها... أن أكون صادقاً وشفافاً حين أتحدث... ألا تعميني قناعاتي عن رؤية الآخر واحترام قناعاته دون تهكم.

لذا آلمني جداً ألا تكون منصفاً وحيادياً كما عهدناك وعرفناك يا عبدالمحسن!