يبدو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الأكثر حماسة لاستعمال الكتب في إطلالته الإعلامية أو مؤتمراته الصحافية أو جولاته وزياراته المكوكية، يوظّف بعض الكتب (خصوصاً كتب التاريخ والروايات) كأقنعة في توجيه {رسائله} إلى السياسيين أو الزعماء أو الأحزاب أو البلدان. بحنكة القارئ يختار جنبلاط لكل مرحلة كتابها أو يوجه لكل زعيم الكتاب الذي يمكن أن يكون نواة لجسر سياسي وأحياناًً رسالة للفراق.

Ad

في الأسابيع القليلة الماضية، كان جنبلاط يوزع عشرات النسخ من كتاب {دروز بلغراد} للروائي ربيع جابر. وكان {البيك} قد سلّم نسخة منه للرئيس نبيه بري ولمجموعة من أصدقائه السياسيين والإعلاميين. وزع مئتي نسخة من كتاب روائي بعيد عن الأضواء والسياسية ويحب العزلة، قال جنلاط إنه يوزع الكتاب {علّ القراء يأخذون العبرة منه}. لم يقل ما هي العبرة على لسانه، والرواية وإن كانت عن مرحلة سابقة من مراحل السياسة والحرب في لبنان، لكنها تحمل بين سطورها ملامح الواقع اللبناني الراهن وسياساته، واقع ما تؤول إليه الحروب والسياسات. كأن جنبلاط يستنبط من رواية ربيع جابر ما يسميه {لعبة الأمم} التي حلت في لبنان وجعلت شعبه مجرد أدوات. لا ندري كيف كان رد فعل جابر على توزيع جنبلاط مئتي نسخة من روايته الشهيرة، وفي الأحوال كافة ليست المرة الأولى التي يهتم جنبلاط بروايات جابر فسبق له أن دعا أحد السفراء إلى قراءة الجزء الأول من رواية {بيروت مدينة العالم}.

يؤكد عارفو جنبلاط أن إهداء الكتب من قبله يحمل دائماً معاني سياسية، وإذا تأملنا الكتب التي أهداها في مراحل حياته، فنكون أمام {بابل المعاني السياسية}، بابل التحولات والتبدلات والمناكفات والتحالفات والخصومات والأفكار والرسائل. حين زار جنبلاط النائب ميشال عون في الرابية أهداه كتاب {الإنجيل بحسب يسوع المسيح} للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو، الكتاب الذي أحدث مشكلة مع الكنيسة في بعض البلدان الغربية وجد جنبلاط أنه جدير بأن يكون هدية لخصمه السابق في السياسة. قال جنبلاط: {لا أعرف لماذا أهديته إياه}، معتبراً أن {أهمية الكتاب أنه يمثل وجهة نظر أحد العلمانيين بيسوع المسيح، وهو كتاب يقرأ مرات عدة}. ورأى جنبلاط أن بعض أعمال ساراماغو يذكره بمعارك سوق الغرب، {يوم سقط الكثير من الشهداء من الجيش ومن الحزب {الاشتراكي}، وقد كنّا جميعاً أدوات في تلك المرحلة}، وختم جنبلاط قائلاً: {في بعض كتب ساراماغو نوع من العبثية}.

 لم يسأل أهل الصحافة الجنرال ميشال عون عن هدية وليد بيك، ولم يتحدث الجنرال عن الكتاب الهدية وعن الرسالة السياسية التي تلقاها منه. الأرجح أن معظم السياسيين الذين يتلقون الكتب الهدايا من جنبلاط لا يتحدثون عنها في وسائل الإعلام، ربما هم لا يجيدون توظيفها في السياسة كما يفعل جنبلاط نفسه الذي يجعل من الكتاب خطوة في سياسة جديدة، فبعد جفاء و{عدواة» في العلاقة بينه (أي جنبلاط) وبين الرئيس إميل لحود حصل اتصال بينهما وأرسل جنبلاط هدية للحود عبارة عن كتاب عنوانه «النزول إلى الهاوية» للكاتب الباكستاني أحمد رشيد (ثمة من يترجم الكتاب بعنوان «السقوط الى الهاوية»)، ويحكي عن التجربة الأميركية الفاشلة في أفغانستان عندما احتلوها بعد هجوم 11 سبتمبر 2001 على برجي التجارة في نيويورك، وهذه ليست المرة الأولى التي يهدي فيها جنبلاط هذا الكتاب، فسبق أن أهداه إلى زعيم «حزب الله» في لبنان حسن نصرالله، إضافة إلى كتاب آخر  لطارق علي الكاتب اليساري الباكستاني. وكان وعد نصر الله عام 2006 بأن يرسل إليه كتاباً للروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا بعنوان «الطريق الى نهاية العالم»، وهو يروي قصة ثائر في غابات الأمازون ينتظر القيامة وحوّل نفسه الى رسول على الأرض. تمرد هذا الثائر على الإقطاع وأرسلت إليه الحكومة ثلاث غزوات ثم هزمته. إنما كان وراءه مريدون رأوا فيه مؤشراً للقيامة. رأوا مؤشراً، على طريقة السيد حسن، للمهدي. وسُئل جنبلاط لماذا تريد أن تهدي السيِّد هذا الكتاب؟ فأجاب: «وجدت في مكان ما ترابطاً إلهياً، ولنقل سياسياً، بين هذا الثائر في غابات الأمازون وبين السيد حسن، وقد أكون مخطئاً».

في جلسة ما سمي بـ{الحوار الوطني} في مجلس النواب اللبناني، كان جنبلاط يحمل رواية {سمرقند} لأمين معلوف. قال حولها: {عندما حملت الكتاب أردت توجيه رسالة}، ثم أوضح أن {بعض من كانوا حول طاولة الحوار، لا يختلف كثيراً عن جماعة حسن الصباح الإسماعيلية الباطنية المتحصّنة في قلعة {آلموت}، التي دمرها المغول وُكتبت عنها روايات كثيرة}. وألمح جنبلاط الى أنه هو من يعادل الشاعر عمر الخيّام. لقد لخص الروائي بارتول واقع قلعة آلموت على لسان حسن قائلاً: {هكذا فإن السيادة هي ملك ذاك الذي يجعل سلاطين العالم مكبلين بالخوف}.ما خلال ما أوردناه يتبين أن جنبلاط يقوم باسقاطات من الروايات التي يقرأها على الواقع الذي يعيشه أو يحيط به، أبطال الروايات هم أمثل للمقارنة بأبطال الواقع السياسي، أو أن ما ينتج من فن المتخيل الروائي يمكنه أن يكون مرآة لفن الممكن السياسي.

السيرة الجنبلاطية

لكل مرحلة كتابها كما يتبين من خلال السيرة الجنبلاطية، فإبان الخلاف مع {حزب الله} وقبل أن يهدي السيد نصر الله كتاب طارق علي، كان جنبلاط قدّم إلى البطريرك صفير، في خلال إحدى زياراته الأخيرة لبكركي، كتاب {بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه/ الدولة والمواطن} (دار النهار) لوجيه كوثراني. توظيف كتاب كوثراني ليس ببعيد عن توظيف رواية معلوف، فالأول يصبّ في خانة إلقاء الضوء على أقنعة زعيم الحشاشين حسن الصباح وعمر الخيام، والثاني يلقي الضوء على موضوع أشد تعقيداً هو {ولاية الفقيه}. وعام 1998 أهدى جنبلاط بعض كتب والده (كمال جنبلاط) إلى الرئيس سليم الحص عندما تولّى رئاسة الحكومة اللبنانية، كشكل من أشكال الاعتراض على السياسة الجديدة التي بدأت مع وصول إميل لحّود إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية.

وفي 25 سبتمبر2001، زار جنبلاط البطريرك صفير وقدّم له كتاباً عنوانه «رأساً على عقب» للكاتب اللاتيني إدواردو غاليانو. وشرح في أحد تصريحاته: «يتحدث الكتاب عن العولمة الاقتصادية وأنا أسمّيها الرقّ والعبودية الجديدة الاقتصادية والسياسية. وإذا ترجمناه نعرف إلى أين توصّلنا بالضبط في المشاريع الكبيرة أي العولمة ومن تحتها التخصيص وبيع القطاع العام». أما في برنامج «كلام الناس» مع الإعلامي مارسيل غانم، فقرأ بعض أفكار الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي من محاضرة كان ألقاها في لبنان، لينتقد توجّهات الرئيس محمود أحمدي نجاد. وماضياً استعان بكتابات المفكر الراحل إدوارد سعيد في إحدى الصحف، ليتحدث عن العروبة الحضارية والتعددية، واستعاد كتاب «احذروا الأوطان الصغيرة» للصحافي ديفيد هيرست في مرحلة تحوّله نحو سورية بعد انشقاقه عن قوى 14 آذار.

وغداة إجراء الانتخابات البلدية في لبنان قبل مدة عكف جنبلاط على قراءة نظرية ابن خلدون في كيفية الانتقال من مجتمعات البداوة إلى المجتمعات الحضرية التي لا يبدو أن لبنان قد وصل إليها، كان لافتاً كيف سارع بعض الصحافيين إلى التعليق على «نظرية ابن خلدون»، بل إن بعض السياسيين المقربين إلى جنبلاط بدأ قراءة المجتمع من خلال هذه النظرية، وهذه إشارة إلى مدى ارتباط الكتاب بـ»الدعاية» والوظيفة السياسية أو الأدبية. كان يكفي أن يتحدث جنبلاط عن ابن خلدون حتى يكون وقعه بين بعض مناصريه أو المقربين كوقع كارل ماركس، حين يقرأ الزعيم شيئاً تبدأ الحشرية لمعرفة ماذا يقرأ. كان تلميح جنبلاط إلى ابن خلدون تلميحاً إلى العصبيات القبائلية والعائلية والطائفية في البلدات والقرى والمدن اللبنانية، حيث اصطدمت القوى السياسية في الانتخابات البلدية بمنطق القبيلة والعشيرة و{الفخذ».

جنبلاط الذي قرأ في {ذئب البحر} لجاك لندن و}قلب الظلام} لجوزف كونراد، يبدو أن شغفه بالكتب جعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يهديه كتاباً لجده شكيب أرسلان، بعنوان {مذكرات مثقف عربي اتحادي}، عند استقباله له. والنافل أن أرسلان أتم تعليمه الثانوي في المدرسة المارونية في بيروت التي تعلم فيها اللغات العربية والفارسية والفرنسية. توجه شكيب أرسلان في ما بعد إلى اسطنبول ليتعلم اللغة التركية، وأقام بها سنتين. شارك أرسلان الذي كان يدعم وصول جماعة الاتحاد والترقي إلى سدة الحكم  في الحرب ضد القوات الإيطالية التي احتلت ليبيا في أكتوبر 1911. كان يؤمن بضرورة بقاء الدولة العثمانية، معتقدا أن انهيارها سيجعل المنطقة نهباً للدول الأوروبية.  وفي أواخر عام 1923، توجه مجدداً إلى اسطنبول، في محاولة لتشكيل جبهة عربية تركية مشتركة تعمل على طرد الفرنسيين من سورية، بيد أن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال رفض المطالب التي تنادي بإعادة بناء الحدود العثمانية في المناطق التي لا تتحدث التركية.

شخصية جنبلاط التحولية جعلت ماريو فرغاس يوسا يزوره في قصره في المختارة، ويكتب عنه: {حياة زعيم الأقلية الدرزية المحاطة بالموت لم تحرمه من السخرية، إنه شخصية مثيرة للفضول يبدو كما لو امتزج فيه سيد إقطاعي، ومثقف متهور وكزموبوليتي، نبي وحتى في بيته علق الصور المتناقضة بين الداعية إلى الحرية والدكتاتورية}.