يوماً بعد يوم يتضح نبض الشارع العربي بعد الثورات العربية، وتتحدد ملامح الفترة القادمة فيها على الأقل في بلدان إفريقيا العربية، فالذي يحدث في مصر هذه الأيام وبعيداً عن تقييمه يشير بدون لبس إلى أن هذه الشعوب لم تعد مثلما كان بعض المحللين يسميها بأنها قطيع تسوقه الحكومات، بل أصبحت رقماً صعباً في المعادلة السياسية الداخلية لأي دولة.

لقد قادت هذه الشعوب أنظمة عسكرية ومدنية باسم العروبة، تحولت كلها وبدون استثناء إلى أنظمة قمعية تقمع شعوبها باسم القومية والصراع القومي، وعلى أثر ذلك اتجهت إلى الجهة الأخرى من المشهد بعد ثوراتها واختارت الأحزاب الاسلامية التي كانت مقموعة سابقاً سواء في مصر أو تونس أو ليبيا، ويبدو من سير الأحداث أن هذه الشعوب في طريقها للثورة على هذه الأحزاب حتى في تونس وليبيا مثلما حصل في مصر، وهذا يشير إلى أن المزاج الشعبي الحالي يركز ويهتم بالحالة الاقتصادية له وتقديم الخدمات وليس تقديم أفكار وأيديولوجيات لم تثبت صحتها وتحويل هذه الشعوب إلى فئران تجارب.

Ad

ومن الواضح أن الأيديولوجيات العلمانية القومية والليبرالية كانت تعي صغر حجمها أمام إرادة هذه الشعوب باعتبارها قد اختبرت ولعقود هذا الشارع، وتصادمت معه فكرياً باستثناء الأفكار الإسلامية التي لاتزال غير متماسة بشكل فعلي مع ردود أفعال هذه الشعوب تجاهها، وهي في السلطة. وأنها لاتزال تعيش حالة من الخيالية في الطرح على أنها تحمل عصا سحرية لحل كل المشاكل رغم ان التجربة القصيرة لـ"الإخوان" في السلطة في مصر أثبتت أن إدارة الدولة ليست كإدارة المعارضة، وقد اصطدمت بوضع لم تكن مهيأة له.

على هذا الأساس ففرض النموذج الإسلامي في الوقت الحالي وبشكل قسري أتى سلباً على هذه الأحزاب، وستكون له مردودات سلبية على تفهم هذه الشعوب لحقيقة الفكر الإسلامي كأيديولوجية دينية وليست فقط سياسية.

وبغض النظر عن وجهة نظري الشخصية في تسييس الدين، فإنني أرى أن الأحزاب الدينية الحالية مطالبة الآن وأكثر من أي وقت مضى بممارسة فقه الضرورات في تعاملها مع السياسة. فغاية الدين هي استقرار المجتمعات وسلامتها، وعندما يتحول فرض الإسلام السياسي عليها من نتائج الاستقرار هذه إلى نتائج تنذر بفوضى عارمة في الدول، فإن الواجب الديني يحتم عليك النظر بموضوعية أكثر إلى هذه النقطة وتأجيل محاولات فرض الرؤية الإسلامية السياسية عليها اعتماداً على فقه الضرورات هذا، ولا أتصور أن الدين الإسلامي -إن صح تسييسه- يتعارض مع هذا التوجه.

فمهما حاولت الأحزاب الإسلامية ومنها "الاخوان" في مصر التقليل من حجم المعارضة ضدهم، فإن الواقع يؤكد أن التأثير السياسي للمعارضة هو أكثر فعالية من تأثيرهم، وأن الشعوب أصبحت صاحبة المبادرة ولم تعد تصبر طويلاً على حكوماتها مثلما كانت تفعل سابقاً. وحتى إذا استطاع "الإخوان" الرجوع بشكل أو بآخر إلى الحكم، سواء بالمشاركة مع الأحزاب الأخرى أو بمفردهم في انتخابات قادمة، فعليهم التخفيف من طرحهم الذاتي وفرضه على الشعب كله.

ولا نستطيع إنكار أن الطرح السياسي الإسلامي يعاني أخطاء كثيرة في المفاهيم، فلو سلمنا جدلاً بأن وجود حكومة إسلامية هو أمر إلهي (كما تقول هذه الأحزاب)، فإنه لا وجود لشيء اسمه مجتمع إسلامي. فالإسلام لم يدع إلى فرض الدولة للتعاليم الإسلامية على أفرادها بشكل قسري... فالتعاليم الإسلامية لم تتخذ سلطة الدولة كحلقة وصل بينها وبين الناس في عرض تعاليمها، بل إنها موجهة للافراد بشكل مباشر، ولا توجد أي آية قرآنية أو حديث نبوي يدعوان إلى تطبيق تعاليم الدين بشكل قسري على الأفراد، بل العكس تماماً، فآيتا "لست عليهم برقيب" أو "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" توضحان أن الله لم يلزم الدولة بتطبيق تعاليم الدين قسراً، وهنا يكمن التخوف الحقيقي من الأحزاب الإسلامية بالنسبة للمعارضين لها.

فمسؤولية الدولة -بالمفهوم الإسلامي- إقامة التشريعات الإسلامية في ما يخص الشكل العام للدولة، وليس التدخل في تفاصيل حياة البشر، وما يحدث الآن في بعض دول تدعي تطبيق الشريعة الإسلامية، وتتدخل في دقائق وتفاصيل حياة الفرد هي أنها تعاني أمراضا أخلاقية ونفسية أكثر من الدول التي لا تطبق الشريعة الإسلامية.

لذلك أقول إن الشعوب شارعا وأحزابا مطالبة بالثورة على بعض المفاهيم السياسة أو الدينية التي تعانيها أكثر من مطالبتها بالثورة على حكوماتها، فلم يعد تغيير الحكومات مسألة صعبة إلا أن بقاء المفاهيم الخاطئة هذه ستؤدي إلى استمرار الفوضى في هذه الدولة مهما تغير شكل الدولة.

*  كردستان العراق – دهوك