اعتقلت الشرطة في المدينة الفرنسية مرسيليا توأماً حقيقيّاً أو متطابقاً متورطاً في ست جرائم اغتصاب خلال الأشهر الستة الماضية. تعرفت الضحايا إلى وجه التوأم. وتؤكد أدلة الحمض النووي من أحد مواقع الجرائم أن أحدهما على الأقل مذنب. ولكن بما أن الشابين، اللذين اكتفت الشرطة بذكر اسميهما يوهان وإلوين، توأم، يؤكد المدعون العامون أن ما من وسيلة لتحديد أي منهما المغتصب أو لمعرفة ما إذا كانا كلاهما متورطين.ولكن ألا يُفترض أن يحلّ العلم هذا النوع من الألغاز؟ نعم، من الناحية النظرية.
تأتي التوائم الأحادية البويضة، مثل يوهان وإلوين، من بيضة واحدة خصبها حيوان منوي واحد. حتى وقت ليس ببعيد، اعتقد العلماء أن حمضهما النووي متطابق 100%. لكن طفرات نادرة تحدث خلال نمو الجنين. إذاً، صحيح أن جينومهما يبدأ متطابقاً، لكنه يختلف في النهاية.تكمن المشكلة في أن أوجه الاختلاف هذه لا تُرى في الأنسجة كافة، ما يعني أن البحث عن اختلافات جينية بين هؤلاء التوائم أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.في حالة اغتصاب مماثلة تشمل توأماً متطابقاً في ميشيغان عام 2004، حاول مختبر جنائي يُدعى أرشيد سلمارك البحث عن طفرات في الحمض النووي تحدد لأي من الأخوين تعود الحيوانات المنوية التي عُثر عليها في موقع الجريمة. في تلك الفترة، استهدف العلماء نحو 500 ألف متغيّر جينيّ مشترك قد تختلف بين الأخوين (تُدعى تعدد الأشكال الأحادية النواة single nucleotide polymorphysms، وهي متغيرات جينية تتواجد في أقل من 1% من البشر). لكنهم عجزوا عن تحديد بثقة تامة أي أوجه اختلاف. لذلك عجز المدعون العامون عن إدانة المجرم.لكن الأبحاث التي أجريت على التوائم المتطابقين حققت تقدماً كبيراً منذ ذلك الحين. إلا أنها تركز غالباً على أصول الأمراض (بحث عن اختلافات جينية بين توأم يعاني أحدهما، مثلاً، داء باركنسون فيما ينعم الثاني بصحة جيدة)، لا على الاختلاف في الجينوم لتحديد مرتكبي جرائم الاغتصاب.حقق العلماء تقدماً مذهلاً عام 2008، عندما اكتشف علماء الوراثة في جامعة ألاباما عدداً أكبر من المتغيرات الجينية بين التوائم، مقارنة بما كانوا يعتقدونه سابقاً. لم يتوصلوا إلى هذه الخلاصة بدراسة تعدد الأشكال الأحادية النواة، بل تغيرات عدد النسخ (Copy Number Variations)، وهي نوع من الطفرات لم يتناولها علماء كثيرون آنذاك. قارن الفريق بقيادة كارل برودر ويان دومانسكي 19 زوجاً من التوائم المتطابقين، فعثروا على مجموعة من تغيرات عدد النسخ (تحدث عندما تمحى الجينات وتُدرج في الحمض النووي) في التوائم كافة، ما يعني أنهم كانوا كلهم مميزين ومختلفين.في الخريف الماضي، أعلن باحثون من جامعة ماكغيل في مونتريال في كندا أنهم تمكنوا من التمييز بين الحمض النووي لتوأم، وذلك بدراسة «الطفرات الأحادية القاعدة» (single base mutations)، وهي طفرات يُستبدل فيها حرف واحد من الجينوم بحرف آخر. يخبر برانت ريتشاردز، بروفسور مساعد متخصص في الطب وعلم الوراثة البشرية في جامعة ماكغيل، Popular Science: «توصلنا إلى أدلة تُظهر أنه في بعض مجموعات التوائم المتطابقين، يمكن تحديد هوية كل توأم بإجراء فحوص الحمض النووي».ولكن من بين 33 زوجاً من التوائم تناولتهم الدراسة، تمكن الباحثون من التمييز بين زوجين منهم فحسب. لكن ريتشاردز يشير إلى أن النتائج قد تكون أكثر دقة لو أنهم قرروا استهداف طفرات أخرى في دراستهم. ويضيف: «لم نقيم سوى 500 ألف متغير جيني. ولكن نستطيع بكل سهولة إعداد التركيبة الجينية لنحو 1.5 مليون متغير جيني، ما يزيد احتمال تحديد زوج التوائم الصحيح بثلاثة أضعاف تقريباً».هنا تكمن الصعوبة: لم تصبح تقنية التمييز بين الحمض النووي للتوائم المتطابقين جاهزة لتُستخدم في المحكمة، وفق غريغ هامبيكيان، بروفسور في علم الأحياء والعدالة الجنائية في جامعة ولاية بواز. يخبر هامبيكيان Popular Science: «لم يسبق أن استخدم أحد هذه التقنية في قضية جنائية. وستمر على الأرجح فترة طويلة قبل أن يقبل بها الجميع وتُدرج تحت معيار دوبرت في المحاكم الأميركية». ينص هذا المعيار على عدم القبول بالخبرات العلمية إلا إذا كانت التقنية التي تعتمد عليها قد اختُبرت، راجعها أصحاب الاختصاص، لها معدل خطأ محدد، ويقبلها المجتمع العلمي عموماً.في الصحف الفرنسية، ذكر الخبراء الذين علقوا على قضية توأم مرسيليا أن تكنولوجيا الحمض النووي المطلوبة مكلفة جدّاً: مئات آلاف اليورو. حتى إن البعض تحدث عن ملايين. لكن هامبيكيان وريتشاردز يخالفانهم الرأي، قائلَين إنها تكلّف عشرات آلاف الدولارات. في هذه الحالات، لا تعتمد المختبرات على فحوص الحمض النووي التي يجريها مكتب التحقيقات الفدرالي لأن المناطق التي تقيمها هذه الفحوص تؤدي إلى نتيجة متطابقة في حالة التوائم الأحادية البويضة. يوضح هامبيكيان أن العلماء يحتاجون إلى إجراء تسلسل كامل للجينوم، ما يكلف نحو 10 آلاف دولار. ويضيف أنهم يحصلون على نتائج أفضل إن أجروا أيضاً دراسة لمثيلة الحمض النووي (methylation)، وهي علامات كيماوية في الحمض النووي تتبدل مع البيئة (بعد الولادة، يتعرض التوأم لأحوال بيئية مختلفة). رغم ذلك، ما من ضمانات أنهم سيعثرون على أوجه اختلاف.يذكر هامبيكيان أن المشكلة تكمن في ضرورة دراسة عدد كبير من الأنسجة المختلفة للتأكد من أنك تستطيع التمييز بين التوأم لأن الطفرات نادرة.يخبر مايكل بيرد، مدير مختبر مركز تشخيصات الحمض النووي في أوهايو Popular Science أنه عثر في حالة توأم متطابق درسه أخيراً على طفرة في عينة من الخد، في حين أن الحمض النووي للدم والأظفار كان متطابقاً بين الأخوين. يتابع موضحاً: «ثمة طفرات، ولكن من الصعب تحديد مكانها». علاوة على ذلك، يذكر بيرد أن تسلسل الجينوم بأكمله يتطلب كمية من الحمض النووي أكبر بكثير مما يتوافر في مواقع الجرائم.كي يتأكد المحققون من أنهم يدينون الرجل المذنب في مرسيليا، عليهم الاعتماد على عناصر أخرى مثل حجة الغياب، الاعترافات، والتاريخ الإجرامي. يمكنهم أيضاً البحث عن البصمات، التي تختلف بين التوائم المتطابقين. ومن النظريات في هذا الشأن أن بصمات الأصابع تختلف بين التوائم لأنهم يحتلون مواضع مختلفة في الرحم ويتحركون بطريقة مغايرة.في ظل غياب الأدلة الأخرى، سينجو المجرم من العقاب لأنه يحظى بشقيق توأم متطابق. ففي برلين عام 2009، أُطلق سراح توأم متطابق بعد سرقة كبيرة لأحد المتاجر. فلم تعثر الشرطة إلا على حمض نووي. ولم تتمكن المحكمة الألمانية من الجزم إلى أي من الأخوين ينتمي. نتيجة لذلك، لم تستطع المخاطرة بإلقاء الرجل البريء في السجن. وقد أعلن الشقيقان آنذاك: «نحن فخوران بالجهاز القضائي الألماني».
توابل - Hi-Tech and Science
توأم مجرم... هل يستطيع العلم حلّ اللغز؟
12-03-2013
تشير أدلة الحمض النووي إلى أن واحداً من توأم حقيقي أو متطابق على الأقل مذنب في جريمة اغتصاب في فرنسا. ولكن هل حقق علم فحص الحمض النووي تقدماً كافياً ليساعد الادعاء في تحديد المذنب؟