يجمع مراقبون على أن المؤتمر القومي الكردي الذي سيعقد في أربيل عاصمة كردستان العراق الشهر المقبل سيشكل حدثاً مفصلياً في القضية الكردية طوال العقود الماضية حيث تجتمع، ولأول مرة، أغلب الأحزاب والشخصيات السياسية الكردية للأجزاء الأربعة من كردستان في وقت تشهد فيه المنطقة أحداثاً تنبئ بتطورات دراماتيكية قد تفضي إلى تغيير كامل في الخريطة السياسية للمنطقة.

من الممكن أن يكون المؤتمر بداية لدور كردي حقيقي في المنطقة فيما إذا راعى المؤتمرون حساسية المرحلة وابتعدوا عن هفوات معينة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

Ad

- الابتعاد عن تحويل المؤتمر إلى منبر دعائي وإلقاء الخطابات الإنشائية التي ليس لها أي تأثير فعلي.

- الابتعاد عن استغلال المؤتمر لمصالح حزبية وسيطرة هذا الطرف على الطرف الآخر.

- قبل انعقاد المؤتمر يجب عقد اجتماعات مكثفة بين الأطراف الكردستانية لتنقية الأجواء الكردية- الكردية، وعدم إضاعة فترة انعقاد المؤتمر وجدول أعماله بحل المشاكل السياسية بين الأحزاب في الأجزاء الأربعة من كردستان.

- الابتعاد عن الإيغال في مجاملة دول التواجد الكردي، لأن الحرص المبالغ به في عدم إثارة هذه الدول سيقلل من النتائج المرجوة لهذا المؤتمر، وفي الوقت الذي لا ينبغي إثارة حفيظة هذه الدول، فإنه لا يجب أن تكون إلى درجة تجرد المؤتمر من مسؤولياته القومية.

بشكل عام فإن هناك بعض الملفات المهمة التي لا يجب على المؤتمر التغافل عنها كخطوط عريضة للعمل الكردي، وتبقى تفاصيل هذه الملفات مرهونة بسير جدول أعمال المؤتمر... ويمكننا إيجاز هذه الملفات في النقاط التالية:  

ملف العلاقة بين الأجزاء الأربعة لكردستان والدول المرتبطة بها

- الإشارة إلى حق الكرد في الاستقلال كخيار لا يمكن التنازل عنه ستكون ضرورية كلغة خطابية للمؤتمر دون الخوض في تفاصيله المستقبلية... وبدلاً من ذلك يجب التباحث في كيفية تحويل الأجزاء الأربعة من كردستان إلى مناطق مؤثرة وفاعلة ضمن الدول المرتبطة بها، وأن تنبثق عن المؤتمر لجان تدرس السبل الكفيلة لتقوية التأثير الكردي السياسي ضمن الدول الأربعة وتحويل هذا البقاء (مهما كان شكله) إلى عامل قوة لأجزاء كردستان... وهذا ليس أمراً عسيراً إذا ما استمر التنسيق بين الأحزاب الكردية دون أن يخترق هذا التنسيق من قبل الدول الأربع.

- الملف التركي

عندما نمعن في الوضع التركي داخلياً وخارجياً نرى أن العامل التركي لم يعد معوقاً للطموحات الكردية كما كان سابقاً، ولا يكمن السبب في المفاوضات الجارية بين "حزب العمال" الكردستاني والحكومة التركية التي هي أحد الأسباب الرئيسية في هذا التحول، وإنما لأن الوضع التركي الحالي لم يعد قوياً في المنطقة كما كان في السابق.

فالصورة الناصعة التي حاول أردوغان أن يظهرها عن تركيا حيال ثورات الربيع العربي وشعوبها بدأت تشوبها الكثير من الضبابية، والمشروع التركي- القطري- الأميركي الذي حاول التحالف مع "إخوان" المنطقة العربية سياسياً قد بدأ بالانحسار مقابل المشروع الإقليمي الجديد المؤيد من قبل دول خليجية أخرى والذي تدعمه أميركا أيضاً... إذ إن تركيا الآن محاطة بدول عربية رافضة للمشروع التركي وتجربتها، وكذلك بدول لديها خلافات عقائدية وتاريخية معها سواء كان في إيران أو في العراق. وأياً ما تكون نتائج الثورة السورية فإنها لن تكون نتائج مريحة للجارة تركيا، ليس بسبب الملف الكردي السوري، بل لأن نجاح الثورة السورية لن يفضي إلى استقرار الأوضاع فيها... ولا يمكن اعتبار المجموعات الإسلامية المسلحة جاراً مرغوباً فيه للإدارة التركية، إضافة إلى الوضع الداخلي السياسي التركي الذي يحتاج فيه حزب التنمية والعدالة إلى التحالف مع الوسط الكردي للبقاء على السلطة في أي انتخابات قادمة.

كل هذه الأسباب إضافة إلى المصالح التركية الاقتصادية مع كردستان العراق تجعل الموقف التركي بحاجة إلى القوة السياسية الكردية سواء في تركيا أو خارجها بما يمثله الكرد من فاصل طبيعي بينها وبين جيرانها (غير المرغوب فيهم) سواء في سورية أو العراق أو إيران.

مما سبق نستنتج أنه لا مبرر للمؤتمر القومي الكردي المؤمل عقده في أربيل في مراعاة المشاعر السياسية للجانب التركي أكثر مما يجب ولا ينبغي التضحية بخطوات قد تبدو ممكنة بحجة عدم إثارة حفيظة الجارة تركيا.

- العامل الإيراني

طوال السنين الماضية لم يركز الإقليم على العامل الإيراني وتوطيد العلاقة معه، كما حاول مع تركيا، والذي أسس معه شراكة اقتصادية وسياسية وأمنية حقيقية في المنطقة، ولابد أن يكون أحد الملفات المطروحة في المؤتمر القومي الكردي هو الملف الإيراني وكيفية التعامل معه. فإيران هي الطرف الآخر من الصراع الإقليمي الحالي، وقد أثبتت أنها تتعامل بملفات المنطقة بطريقة أكثر تأثيراً مما تفعلها تركيا، ويعيش في إيران أكثر من ستة ملايين كردي. لذلك فإن مد جسور التفاهم معها (مع مراعاة الحساسية الأميركية من ذلك) سيفتح آمالاً كبيرة في حلحلة الموضوع الكردي في هذا البلد. وإن كنا قد استطعنا شراء الموقف التركي بعلاقاتنا الاقتصادية معها فليس من الصعب إطلاقاً شراء الموقف الإيراني، خصوصاً أن إيران تعاني الآن حصاراً دولياً أثقل كاهلها وجعلها تبحث عن شريك اقتصادي معها.

وإن كانت التكهنات تشير إلى أن المؤتمر هذا سيناقش إمكان تسهيل الحركة التجارية بين الأجزاء الأربعة لكردستان (ومن ضمنها كردستان إيران)، وهذا نقاش سابق لأوانه كثيراً، فالأجدى بالمؤتمرين البحث في كيفية كسب الطرف الإيراني اعتماداً على أسس أكثر واقعية وإلحاحاً من موضوع تسهيل الحركة التجارية بين أجزاء كردستان. هذا التوجه الكردي فيما إذا رأى النور سيكون له تأثيرات إيجابية كثيرة على تقوية الموقف السياسي الكردي مع إيران ومع حلفاء إيران داخل الحكومة العراقية في بغداد.

تلك هي الخطوط العريضة التي من المفترض مناقشتها في المؤتمر، فأما تفاصيل هذه الملفات فتعتمد على كيفية سير المؤتمر خلال أيام انعقاده، وأما ملف علاقة الأحزاب الكردية في ما بينها وكما قلنا فيجب أن تبحث على نطاق لجان مشتركة تنبثق من المؤتمر قبل عقده وليس خلاله معتمدين على فكرة القبول بوجود كل هذه الأحزاب كأمر واقع دون محاولات تهميش أي منها للآخر.

نتمنى أن يكون هذا المؤتمر حاسماً للشعب الكردي في أجزائه الأربعة، وأن يسفر عن قرارات حقيقية يعمل بها لا أن يتحول إلى مؤتمر إعلامي شبيه بالمؤتمرات التي تعقدها الدول العربية التي تركز أكثر ما تركز على الكلمات الترحيبية والمجاملات السياسية التي لا يستمر تأثيرها أبعد من باب قاعة الاجتماع.

* كردستان العراق – دهوك