توثيق دولي لمذكرة التفاهم الكويتي - العراقي تزامناً مع ذكرى الاحتلال الآثم
تحل اليوم ذكرى الغزو العراقي الآثم وقد قطعت الكويت وبغداد أشواطاً في تجاوز تلك المرحلة، والتأسيس لعصر جديد من التعاون الأخوي بين البلدين.اعتمد مجلس الأمن أمس الخميس نسخة من مذكرة تفاهم أودعها مسؤولو الكويت والعراق لدى الأمم المتحدة كوثيقة رسمية، بعد التوصل إليها في نهاية شهر مايو الماضي، بشأن تمويل مشروع لبناء مجمع سكني في أم قصر.وتهدف مذكرة التفاهم التي وقعها نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ صباح الخالد ووزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري وصدرت كوثيقة من مجلس الأمن أمس الخميس إلى «تعزيز العلاقات التاريخية الوثيقة» بين البلدين، وتؤكد موقف الكويت بشأن الحاجة إلى دعم الجهود الجارية لإعادة بناء العراق.ويقضي الاتفاق بأن تخصص دولة الكويت 80 مليون دولار لتمويل مشروع بناء مجمع سكني بدلا من المنازل الموجودة في منطقة أم قصر بقرب الخط الحدودي بين البلدين، بهدف تسهيل صيانة العلامات الحدودية.ووافقت الحكومة العراقية على أن تخضع إدارة المشروع في أم قصر ماليا ورقابيا للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.وأرفق نص مذكرة التفاهم في رسالة مشتركة قدمها القائم بالأعمال في البعثة الدائمة لدولة الكويت لدى الأمم المتحدة عبدالعزيز الجارالله والسفير العراقي محمد علي الحكيم.ذكرى الغزوويتزامن هذا الإجراء مع ذكرى الغزو العراقي الآثم على الكويت فجر الثاني من أغسطس عام 1990، الذي تحل ذكراه اليوم الجمعة، والذي شكل كارثة بكل المقاييس فقد استهدف وجود الوطن الكويتي وثرواته وشعبه وتاريخه وسيادته.غير أن ادارة أركان الحكم في ذلك الوقت المتمثلة في سمو أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد رحمه الله، وسمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله رحمه الله، وسمو امير البلاد الشيخ صباح الأحمد، والتأييد الشعبي الكبير لجهودهم شكلت مثلا يحتذى لكل الأمم والشعوب والاوطان التي تتعرض للعدوان والارهاب والابتزاز، والتي تسعى لنيل حريتها واستقلالها والتمتع بثرواتها بعيدا عن احقاد الآخرين.وكان مؤتمر جدة الشعبي في أكتوبر 1990 الأساس الذى صيغت داخله مفردات ادارة الازمة وتوزعت من خلال آلياته الواجبات والمهام، وتمثلت اولى مفردات تلك الادارة في الرؤية التي كانت وراء عقد المؤتمر، اذ انها اكدت ان مقاومة الاحتلال وتحرير التراب الوطني وعودة السيادة هي مهمة القيادة والشعب معا، وأن الوحدة الوطنية هي اول شروط ولوازم التحرير.وتركزت المفردة الثانية في إعادة ترتيب البيت الكويتي بدعم صمود الكويتيين في الداخل والخارج، والعناية بهم وتلبية احتياجاتهم ودعم المقاومة، ورفدها بكل احتياجاتها ثم عودة الحياة الديمقراطية وفقا لدستور 1962 بعد التحرير.وتمحورت المفردة الثالثة حول الإجماع التام على رفض اي مساومات حول سيادة الكويت واستقلالها والاصرار على تنفيذ القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن.وأكدت المفردة الرابعة ضرورة تعميق وتعزيز العلاقات مع الدول العربية والاسلامية والاجنبية وتوثيق العمل مع المنظمات والهيئات الدولية.وشددت المفردة الخامسة على أهمية الدفع بالعمل الشعبي المدروس للاتصال بالمنظمات والهيئات الشعبية العربية والاسلامية والاجنبية ومنظمات المجتمع المدني، وادارة الحوار معها ضمانا لتأييد قضية الكويت العادلة، وحصر اي عداوات او خلافات في حدودها الدنيا إن لم يكن بالمستطاع تغييرها لمصلحة الحق والعدل وقيم القانون الدولي.وقد توجت تلك الآلية بتحرير الكويت بعد نحو 204 أيام من الاحتلال وعودة الشرعية الكويتية لممارسة مهامها من فوق ترابها الوطني.عودة العلاقاتوعلى الرغم من سنوات القطيعة التي سببها الغزو الآثم من آثار وتبعات فإن مياه العلاقات الكويتية العراقية عادت الى مجاريها بقوة دفع متزايدة في الآونة الأخيرة.ودشن سمو أمير البلاد الشيخ صباح الاحمد عهدا جديدا أساسه طي الملفات العالقة بين البلدين وترجمة التطمينات الى افعال، وهو أمر لا يمكن ان يتحقق لولا وجود قيادة سياسية تتمتع بالحنكة البالغة والحكمة السديدة.وزار سمو أمير البلاد العراق في 29 مارس 2012 في خطوة وصفها المحللون السياسيون بالتاريخية، حين ترأس وفد الكويت للقمة العربية التي عقدت في بغداد، وعبر من خلالها عن سعادته البالغة لاستعادة العراق حريته وكرامته.وكان لهذه الزيارة تأثيرات ايجابية كبيرة، وبعثت برسائل مطمئنة الى الشعب العراقي، وساهمت في تطوير وتعزيز العلاقات بين البلدين.وفي 12 يونيو 2013 زار رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ جابر المبارك بغداد في زيارة رسمية وقعت خلالها ست مذكرات تفاهم تخص عمل المعهدين الدبلوماسيين في البلدين، إضافة إلى برنامج تنفيذي في الشأن الاقتصادي والثقافي والبيئة والتعليم والنقل البحري .وزار وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري الكويت في 28 مايو 2013، حيث وقع مذكرتي تفاهم مع نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الخالد، تتعلق الاولى بترتيبات عملية صيانة التعيين المادي للحدود، والثانية بتمويل مشروع إنشاء مجمع سكني في ام قصر.وفي 4 يوليو 2013 صادق البرلمان العراقي على اتفاق إنشاء لجنة مشتركة للتعاون بين حكومتي البلدين لتعزيز علاقات الصداقة والتعاون الثنائي ورغبة من الجانبين في حل القضايا العالقة بينهما، التزاما بالمواثيق والقرارات الدولية ذات الصلة بغية الوصول إلى تسوية شاملة لكل المتعلقات بينهما بما يساعد على نشوء أرضية صلبة للعلاقات الأخوية.ولعبت الكويت دورا كبيرا في التعجيل باتخاذ مجلس الامن القرار الخاص بخروج العراق من احكام الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، حيث اتاح هذا القرار للعراق مكاسب كبيرة هي استعادة سيادته كاملة غير منقوصة، واستعادة قوته الاقتصادية في المنطقة، وحقق له انتصارا على مستوى السياسة الخارجية، وهو ما وطد أيضا العلاقة الاخوية بين البلدين.وعلى الصعيد الاقتصادي، لم تتوقف الزيارات بين البلدين لتوطيد العلاقات اقتصاديا، فكان لرئيس الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق الدكتور سامي الاعرجي زيارة لغرفة تجارة وصناعة الكويت في 2012، استعرض خلالها القطاعات الاقتصادية الرئيسية المتاحة في العراق، واهمها النفط والزراعة والكهرباء والسكن والصحة والاتصالات، في حين أكد له المسؤولون في غرفة تجارة وصناعة الكويت ان رجال الاعمال والمستثمرين الكويتيين سيكونون اول المبادرين للاستثمار في العراق حينما تسمح الظروف بذلك.وإعلامياً كانت هناك زيارات متبادلة تمثلت في وفود اعلامية من الجانبين بدأت في 2008، واستمرت طوال السنوات التالية، واستهدفت تعزيز التعاون الثنائي في هذا المجال.وعلى صعيد النقل الجوي، كان لصدور المرسوم الاميري في 2012 بإنهاء الدعاوى الخاصة على الخطوط الجوية العراقية أثر كبير، لأنه فتح الباب امام استئناف الرحلات الجوية العراقية الى مختلف دول العالم.وكانت الخطوة الرائدة في 27 فبراير 2013 عندما هبطت في مطار الكويت على مدرج المطار الاميري طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية، حيث استقبلت باحتفال رمزي بكل حفاوة وترحيب مما يعتبر مؤشرا إلى عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين في هذا المجال.كما كان للكويت دورها الإنساني في تقديم الدعم للشعب العراقي، حيث قدمت في مؤتمر اعمار العراق مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار بما فيها مساعدات تمثلت في ارسال شاحنات محملة بالمياه ومستلزمات طبية وأدوية ولوازم خاصة للاطفال وأجهزة حاسوب للقطاع التعليمي العراقي، فضلا عن حملات تبرع بالدم للشعب العراقي، وعالجت في مستشفياتها العديد من العراقيين الذين تعرضوا لإصابات من جراء اعمال العنف التي أصابت العراق.إن هذه الزيارات المهمة والمساعي المتواصلة تشير الى اتجاه العلاقات الكويتية العراقية نحو مزيد من التطور والازدهار لطي صفحة الماضي، وبناء مستقبل مشرق وزاهر للشعبين الشقيقين.الجوانب العسكرية والاقتصادية لإدارة أزمة العدوان والاحتلالاشتمل فن إدارة أزمة العدوان والاحتلال العراقي للكويت كما قادها أركان نظام الحكم في ذلك الوقت على الجوانب العسكرية والاقتصادية الى جانب البعد السياسي الذي احتل المرتبة الأولى.فقد عملت القيادة الكويتية على اعادة تجهيز الجيش الكويتي وتدريبه وتسليحه بأحدث الاسلحة ليشارك في معارك التحرير، وفتحت الباب امام الشباب للتطوع لاستعادة التراب الوطني ودربتهم على مختلف فنون القتال.وعلى المستوى الاقتصادي، حرصت القيادة الكويتية على ابراز حجم الضرر الذي لحق بحوالي 130 دولة كان لها عمالة تعيش حياة مستقرة على ارض الكويت وتدعم تحويلاتها اقتصاديات تلك الدول، لاسيما ان الكويت لم تتدخل قط في حجم الاموال التي تحول الى الخارج ولم تقيدها كما تفعل دول أخرى.وقدمت الكويت مساعدات إلى أكثر الدول تضررا عندما أمر سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الاحمد بصرف مبالغ مالية للعاملين لدى الكويت قبل العدوان من ابناء تلك الدول فخفف عنهم الكارثة التي اصابتهم من جراء العدوان، وأكد لهم ان الكويت وفية لكل الشرفاء على ارضها، كما استمرت في منح القروض من خلال الصندوق الكويتي للتنمية.أما النقطة الاخرى التي لا تقل أهمية عما سبق فقد تمثلت في تأكيد القيادة الكويتية التزام دولة الكويت بكل القيم والمبادئ التي طالما التزمت بها امام المجتمع الدولي ومارستها في سياساتها عبر تاريخها.وفي ذلك قال أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد في خطابه يوم 27 سبتمبر 1990 (الدورة 45) امام الجمعية العامة للامم المتحدة: «إن الكويت التي عرفتموها ستبقى على عهدكم بها دائما وفية لمبادئها غيورة على قيمها مخلصة لأصدقائها محترمة لعهودها ومواثيقها».وتعتبر ادارة اركان الحكم في ذلك الوقت لأزمة الاحتلال درسا بالغ الدلالة للأمم والشعوب المقهورة، ولاسيما ما يتصل بالوحدة الوطنية ورفض كل أشكال المساومة على المبدأ، ومحاورة المترددين في دعم الحق وكسبهم على ارضية ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي، ووضع الانسان باستمرار في مقدمة أي اهتمام وقبل كل شيء، لأن الأوطان والثروات تكتسب قيمتها من الانسان لا من غيره.وكان لنجاح سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد منذ تسلمه حقيبة وزارة الخارجية في عام 1963 في توثيق علاقات الكويت بالأمم المتحدة ومنظماتها ودولها الأعضاء دور كبير في الوقفة الصلبة التي اتخذتها الامم المتحدة والعالم الحر لمصلحة الكويت واستقلالها وسيادتها عندما تعرضت للعدوان العراقي الغادر.
محليات
الكويت تطوي صفحة الغزو وتدشن عهداً من التعاون مع العراق
02-08-2013