شكّلت الولايات المتحدة عموماً قوة كبرى للترويج للديمقراطية حول العالم، ولكن لا تتعجبوا من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما غض النظر عن الانقلاب العسكري الأخير في مصر، إذ لم يكن دعم الولايات المتحدة للديمقراطية ثابتاً يوماً، فقد دعمت واشنطن الكثير من الحكام المستبدين "الودودين" خلال القرن العشرين، حتى إنها أطاحت بحكومات منتخبة ديمقراطياً أو غضت النظر عن انقلابات نُفذت ضدها، كما فعل أيزنهاور مع مصدق في إيران وأربينز في غواتيمالا، ونيكسون مع الليندي في تشيلي.

لكن أوباما لم يعتبر نفسه على الأرجح من داعمي هذا التقليد عندما استلم زمام السلطة في البيت الأبيض (مع أن مستشاريه يقارنونه غالباً بأيزنهاور). ففي مستهل عهده، اعتذر أوباما من الشعب الإيراني على الإطاحة بمصدق، وفي كتاب "جرأة الأمل" The Audacity of Hope، انتقد إدارات سابقة لاعتبارها "الحركات الوطنية، الصراعات الإثنية، والجهود الإصلاحية" تهديداً، ولتركها هذه المخاوف تطغى على "التزامنا المعلن بالحرية والديمقراطية". كذلك أشار إلى أن "الإطاحة بقادة منتخَبين ديمقراطية في دول مثل إيران" أدت "إلى تداعيات كارثية ما زالت تطاردنا حتى اليوم".

Ad

في العقود الأخيرة، حاول قادة كلا الحزبين دفع سياسة الولايات المتحدة في اتجاه مخالف. فخلال عهد رونالد ريغان، دعمت الولايات المتحدة الحركات الديمقراطية التي أطاحت بحكام مستبدين "ودودين" في الفلبين وكوريا وهاييتي، وغيرها (باستثناء الشرق الأوسط). على نحو مماثل، سعت إدارة كلينتون إلى النهوض بالديمقراطيات الناشئة في وسط أوروبا وشرقها إلى مستويات ديمقراطية عالية. وسعت إدارة جورج بوش الابن، وإن بوتيرة متفاوتة، لإعادة صياغة العلاقات الأميركية مع أنظمة الحكم المستبدة في العالم العربي، خصوصاً مصر. ومن الناحية العقائدية، كان الدرس الأكبر لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 أن أنظمة الحكم المستبدة ساهمت في ولادة الإرهاب، وأن الانفتاح السياسي العربي أفضل علاج له. وقد دعم أوباما هذا الانفتاح عندما بدأ، مؤيداً بحذر إجماع ما بعد الحرب الباردة الأوسع.

ولكن يا لسرعة انهيار هذا الإجماع في وجه أول اختبار صعب: انتخاب جماعة "الإخوان المسلمين" ومحمد مرسي في مصر! لا شك أن هذا كان اختباراً صعباً، فلم يكن مرسي حاكماً غير كفء فحسب، بل حاكم غير ديمقراطي من نواحٍ عدة، فقد كبّل وسائل الإعلام، واستثنى المعارضة من قرارات دستورية بالغة الأهمية. وهكذا لم يقُم حكمه على نظام مستبد بل نظام أكثري، علماً أنهما يفضيان غالباً إلى النتيجة عينها، ولكن رغم تمتعه بالأكثرية في البرلمان، فضلاً عن تأييد وطني كبير، افتقر مرسي إلى الخبرة الواسعة في مجال الأخذ والرد في نظام الحكم الديمقراطي. نتيجة لذلك، أخفق إخفاقاً ذريعاً ففي تأسيس نظام تسوية شامل تكون القوى فيها متوازنة، فكان بذلك نقيض مانديلا. كذلك فشل في إدارة الاقتصاد الوطني، رافضاً عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي أو إجراء الإصلاحات الاقتصادية الصعبة إنما الضرورية.

نظراً إلى عدم كفاءته هذا، كان يجب ألا يفوز مرسي في الانتخابات التالية. ونتيجة نظامه الأكثري وممارساته غير الديمقراطية، كان يلزم أن يتعرض لضغوط متواصلة من الداخل والخارج، خصوصاً من الولايات المتحدة، التي تقدّم أكبر قدر من المساعدات إلى مصر.

ولكن هل يُعتبر الانقلاب العسكري الحل الأفضل؟ الإيجابي في هذه المسألة أن حاكماً سيئاً قد أزيل من منصبه، لكن هذه الخطوة لا تحمل أي وجه إيجابي آخر. يتحدث الناس بفرح عن البدء مجدداً ببناء الديمقراطية المصرية، لكن هذه ليست بداية جديدة، فضلاً عن أن العقبات التي تعترض طريق الديمقراطية اليوم باتت أكبر مما كانت عليه قبل الانقلاب.

بعد أن نجح الجيش في الإطاحة بقائدين مصريين خلال سنتين ونصف السنة، أثبت أنه القوة الحقيقية الوحيدة في البلد، ولا شك أن محمد البرادعي وغيره من القادة العلمانيين فرحون بتوليهم فجأة مناصب مهمة. ولكن لا يسعنا إلا أن نتساءل: هل نفوذهم حقيقي؟ وهل يدوم؟ مَن يعش بالسيف يمت بالسيف: إن تمكن الجيش من الإطاحة بحكومة منتخبة ديمقراطياً، يستطيع بالتأكيد الإطاحة بأخرى. وما قد يحدث عندما تعود "قوة الشعب" المصري لمواجهة الحكومة التالية، لأن هذا محتم؟ سيحظى الجيش مرة أخرى بخيار التدخل أو الوقوف على الهامش، ولا شك أن قراره هذا سيرتبط بما يشعر به حيال تلك الحكومة. إذن، مَن يملك القوة الحقيقية عندما تنشأ الأزمة التالية؟

والأزمات التالية متوقعة، فتتطلب المشاكل الاقتصادية التي ورثها مرسي وأخفق في حلها تضحيات كبيرة من المصريين، الذين سبق أن ضحوا بالكثير، ومن المؤكد أن تطبيق هذه الإصلاحات سيكون صعباً حتى في جو سياسي هادئ، لكن جو ما بعد الانقلاب سيكون بعيداً كل البعد عن الهدوء.

لا تُعتبر هذه بداية جديدة في مصر، بل تشكّل خطوة كبيرة نحو الخلف، وتتحمل إدارة أوباما الكثير من اللوم، فلم تمارس أي ضغط يُذكر على مبارك كي يقوم بإصلاحات سياسية محدودة كانت ستُعتبر كافية للحؤول دون الانفجار المناهض للنظام الذي وقع نحو نهاية عام 2010. وعلى نحو مماثل، لم تضغط على مرسي ليُنهي ممارساته غير الديمقراطية، ما كان سيجنّب مصر الأزمة الأخيرة.

بات من الشائع اليوم في أوساط "عالم ما بعد الولايات المتحدة" التأكيد أن واشنطن لا تتمتع بالقدرة اللازمة لتصوغ التطورات في مصر. لكن هذا سخيف. صحيح أن الولايات المتحدة لا تتمتع بنفوذ مطلق، غير أنها ليست عاجزة أيضاً، فيقدّم الأميركيون إلى مصر مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار سنوياً، يذهب 1.3 مليار منها إلى الجيش. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع الولايات المتحدة بتأثير كبير في صندوق النقد الدولي والواهبين الدوليين الآخرين الذين يعتمد عليهم الاقتصاد المصري، كذلك تتمتع السفيرة الأميركية إلى مصر بنفوذ واسع إلى حد أن المصريين باتوا مهووسين بمن تقابل، ويروحون يحيكون المؤامرات بالاستناد إلى حوادث تافهة. يسود الاعتقاد في مصر، كما في معظم أنحاء الشرق الأوسط، أن كل الأمور تسير وفق مشيئة الولايات المتحدة. إذن، لا تكمن المشكلة في أن الولايات المتحدة لا تتمتع بنفوذ، بل في أن إدارة أوباما لا تبدو مهتمة كفاية أو تبالغ في حذرها وتخشى استخدام النفوذ الذي تتمتع به الولايات المتحدة.

عادت إلى الواجهة اليوم فكرة أن العرب المسلمين غير قادرين على اتباع الديمقراطية، خصوصاً بعد أن توجه الملايين منهم إلى صناديق الاقتراع في مصر لتذهب نتيجة أصواتهم سدى عندما لم تحرك الديمقراطية الغربية ساكناً لتحول دون ذلك. فلو أعربت الولايات المتحدة عن لامبالاة مماثلة في الفلبين وكوريا الجنوبية لسمعنا البعض يرددون اليوم أن الآسيويين لا يؤيدون الديمقراطية.

بعد أن نُفّذ الانقلاب العسكري اليوم، ما السبيل إلى تفادي "تداعياته الكارثية"؟ يجب أن يبدأ أي جواب بتعليق كل المساعدات إلى مصر، خصوصاً العسكرية منها، حتى تشكيل حكومة ديمقراطية جديدة تُنتخب بحرية بمشاركة كامل الأحزاب والمجموعات في مصر، بما فيها جماعة "الإخوان المسلمين". وعلى إدارة أوباما بعد ذلك العمل جنباً إلى جنب مع أمم أخرى وصندوق النقد الدولي بغية الحرص على عدم حصول مصر على أي قروض حتى عودة الحكم الديمقراطي. لكن هذه المقاربة تتعارض مع ميول إدارة أوباما، التي أعربت أخيراً عن استعدادها للعمل مع كل مَن يمسك بزمام السلطة في مصر، متفاديةً ممارسة أي شكل علني من أشكال الضغط.

آن الأوان للخروج من دوامة الإخفاق هذه في مصر. فعلينا أن نتعلم من ماضينا، لا أن نكرره، فمن المؤسف أن يُضطر رئيس أميركي في المستقبل إلى الاعتذار من المصريين عما فعله أوباما أو لم يفعله عام 2013.