للوهلة الأولى، قد يتخيل البعض أن مجموعة العشرين تمكنت بالفعل من نزع فتيل لحرب عملات، عبر البيان الذي أصدرته أمس الأول، وبثته وسائل الإعلام تحت عنوان "مجموعة العشرين تنزع فتيل حرب عملات"، وأكدت فيه أن الدول الأعضاء، في المجموعة، اتفقت على عدم الدخول في سباق لخفض أسعار العملات.لكن خلو البيان، الصادر من موسكو، من أي انتقاد للسياسة النقدية الميسرة التي تنتهجها اليابان، والتي دفعت الين للانخفاض 20 في المئة، وإغفاله الدعوة التي أطلقتها مجموعة السبع لعدم استهداف أسعار صرف معينة على مستوى السياسة المالية والنقدية، يثير الكثير من التساؤلات حول مدى موضوعية العنوان الذي خرجت به القمة.
"المخاوف" التي أقرت بوجودها المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، وإن رفضت فكرة "حرب عملات"، خلال اليوم الثاني من اجتماع وزراء مالية وحكام المصارف المركزية في الدول العشرين الغنية والناشئة، تؤكد أن "نزع الفتيل" يحتاج إلى أكثر من اجتماع في موسكو، أو "مناشدة" من وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن للعالم بـ"ألا يرتكب خطأ استخدام العملات على أنها أداة حرب اقتصادية".وتؤكد أيضا أن "المخاوف" من اندلاع "الحرب" مازالت قائمة، وتدفع إلى البحث في تاريخ تلك الحرب، التي تصاعدت وتيرتها مؤخرا بسبب الجدل الدائر حول التدخلات اليابانية لإضعاف الين، إلى جانب خلافات أوروبية حول سعر صرف اليورو الذي شهد ارتفاعات منذ مطلع العام، مع تبدد المخاوف بشأن تفاقم جديد في أزمة الديون الأوروبية.الاقتصاد الأكبروولد مصطلح حرب العملات من رحم الصراع الدائر منذ سنوات بين أكبر اقتصادين في العالم، الأميركي والصيني، فالأول يجاهد للخروج من أزمة عصفت به على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، والثاني يسعى للحفاظ على نمو تمتع به على مدار العقد الماضي.واعتمد مفهوم حرب العملات على استخدام العملة كسلاح سياسي، من خلال لجوء حكومات الدول القوية والصاعدة اقتصاديا إلى تخفيض أسعار صرف عملاتها المحلية، من أجل حل مشكلاتها وأزماتها الداخلية، حيث تلجأ حكومات تلك الدول إلى إضعاف أسعار صرف عملاتها الوطنية بوسائل مختلفة، والغاية منه رفع القدرة التنافسية لاقتصادها، بشكل يزيد قدرة سلعها المصدرة إلى الأسواق الدولية على المنافسة، وهو أمر بات يهدد التجارة العالمية، والتعاون الدولي بخصوص مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية.ولاشك في أن فكرة استخدام العملات كسلاح سياسي ليست جديدة، لكنها تحظى بترويج كبير حاليا، وقد طبقت من قبل العديد من الحكومات، حيث اتخذ أخيرا البنك المركزي الياباني حزمة إجراءات جديدة لتحفيز الاقتصاد الياباني والحد من ارتفاع قيمة الين الياباني، كما اتخذت دول عديدة، مثل البرازيل وسويسرا وكوريا الجنوبية، إجراءات مشابهة، تهدف إلى تخفيض سعر عملتها، وتعزيز مواقع سلعها المصدرة إلى الأسواق العالمية.وعليه، يخشى خبراء الاقتصاد أن يؤدي استمرار تلك السياسات إلى اتخاذ الدول إجراءات حماية جمركية، تضر بالتجارة الدولية التي يعول عليها كأحد أبواب الخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية.تسعير العملاتوتتدخل العديد من الاقتصادات الكبيرة في مسألة تسعير العملات، فقد بدأت الحكومة السويسرية بتدخل أحادي الجانب ضد ارتفاع الفرنك السويسري في العام الماضي، لأول مرة منذ 2002, ولم تعد تقيمه عن طريق إعادة الشراء في أسواق المال المحلية بالأموال التي حصلت عليها عن طريق التبادلات الخارجية.وكذلك تدخلت حكومات عديدة من دول شرق آسيا على غرار كوريا الجنوبية في عدة مناسبات، من أجل إبقاء سعر صرف عملتها منخفضا خلال هذا العام، وخولت البرازيل صندوق ثروتها السيادي لبيع العقارات نيابة عنها، مع أنها كانت تعبر عن القلق من تدفق الأموال، بشكل زاد سعر العقارات وتسبب في عدم توازن واستقرار الاقتصاد.وترفض الصين جميع الدعوات لرفع سعر عملتها اليوان، رغم تكثيف المسؤولين الأميركيين والأوروبيين ضغوطهم عليها، من أجل السماح لعملتها بالارتفاع. بالمقابل، تتهم الصين الولايات المتحدة بالسماح بتراجع سعر صرف الدولار في الفترة الأخيرة، كما يتهم المسؤولون السياسيون الصينيون الرئيس الأميركي أوباما باختلاق أزمة مع الصين حول أسعار عملتها.وهناك تحذيرات عديدة من تزايد احتمالات نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين، على خلفية المقولة التي تفيد بأن السياسة، بدلا من الاقتصاد، ستعيد رسم مستقبل القارة الآسيوية، كما جرى للقارة الأوروبية في القرن الماضي، لذلك ترتفع الأصوات من احتمال أن يشعل صعود الصين منافسة كبيرة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي ينسج احتمالات قوية لنشوب حرب بين أكبر اقتصادين في العالم.وتحاول الصين استعادة نفوذها في بحر الصين الجنوبي، بوصفه جزءاً من مداها الحيوي، وتخشى في المقابل من توسع التدخل الأميركي في هذا المجال الجغرافي، كونها تريد العودة إلى قلب النظام الدولي، بعد عقود من العزلة، وبما يحقق مصالحها الأساسية، وتحولها إلى قوة دولية، لكن بصرف النظر عن التنافس الاقتصادي الأميركي - الصيني، فإنه من المرجح ألا تبقى الولايات المتحدة المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي.سؤال وجواب• ما هي حرب العملات؟- وتستخدم دول عدة سلاح سعر صرف عملاتها لتحقيق افضليات تجارية، اذ يسمح خفض سعر عملة او قيمتها بإعطاء دفع لصادرات البلد المعني، وبالتالي اعطاء دفع للاقتصاد، والمشكلة الرئيسية هي ان هذه السياسة تطبق على حساب الشركاء التجاريين، وتزيد خلل التوازن، ونكون بذلك بعيدين كل البعد عن «النمو المتوازن» الذي تدعو مجموعة العشرين الى تحقيقه.• هل اليوان الصيني مصدر الخلاف؟- العملة الصينية تواجه اختبار القوة، لان الشركاء التجاريين للصين، وفي المرتبة الاولى الولايات المتحدة واوروبا، يتهمون بكين منذ سنوات بتعمد اضعاف سعر صرف اليوان، وبحسب واشنطن فإن السلطات الصينية تعرقل التحسن الطبيعي لسعر صرف اليوان، من خلال شراء عملات اجنبية.• من يوجه أصابع الاتهام إلى من وما الاتهام؟- الصين ليست الدولة الوحيدة في قفص الاتهام، وتبادل الاتهامات يجري من كل طرف وصوب، وفي ما يلي بعض الامثلة:وبالنسبة الى بكين يجعل الاميركيون من اليوان «كبش محرقة» لصعوباتهم الاقتصادية، وتنتقد الولايات المتحدة واوروبا من جهتها تدخل الدولة في دول ناشئة اخرى، مثل البرازيل التي تسعى الى عرقلة تحسن سعر صرف عملتها.أما اليابان التي تدخلت لخفض سعر الين فتتهم كوريا الجنوبية بخفض عملتها الوطنية، وتشتبه اوروبا بأن الولايات المتحدة تسعى الى الاستفادة من خفض سعر صرف الدولار، لان ذلك يشجع الصادرات الاميركية في وقت يكون الانتعاش فيه شبه معدوم.• كيف يمكن خفض سعر أي عملة؟- قالت تقارير إن السبب الرئيسي لحرب العملات هو ان الاحتياطي الفدرالي الاميركي يصدر الاوراق النقدية، ولاعطاء دفع للاقتصاد اغرقت الولايات المتحدة النظام المالي العام بالسيولة، وهذه السياسة النقدية، المرفقة بمعدلات فائدة منخفضة جدا في الولايات المتحدة على الاجل القصير، تساهم في اضعاف الدولار.• هل هناك مضاربة؟- تتدفق رؤوس الاموال الاجنبية الى الدول الناشئة، خصوصا الآسيوية، التي تحظى بنمو جيد رغم الازمة الاخيرة، وهذا التدفق يساهم في رفع سعر العملات المحلية باستثناء اليوان المرتبط بالدولار بسعر صرف تتحكم فيه بكين، واتخذت البرازيل وتايلند وكوريا الجنوبية تدابير لابطاء تدفق رؤوس الاموال.
اقتصاد
هل حقاً نزعت القوى الكبرى «فتيل» حرب العملات؟
18-02-2013
تؤكد «المخاوف»، التي أقرت بوجودها كريستين لاغارد، خلال اليوم الثاني من اجتماع العشرين، أن «نزع فتيل» حرب العملات يحتاج إلى أكثر من اجتماع في موسكو، أو «مناشدة» من جورج أوزبورن للعالم بـ«ألا يرتكب خطأ استخدام العملات على أنها أداة حرب اقتصادية».