هزت جريمة إرهابية متوحشة أخرى في لندن استهدفت الجندي البريطاني في سلاح الرماة الملكي، لي ريغبي، الذي شارك سابقاً في حرب فيتنام، وهو زوج وأب، الضمير والمنطق الغربيين مرة أخرى، وكان من الطبيعي نعت القاتلَين بالجنون.

Ad

لكن رد فعلهما والطريقة الغريبة القاسية التي أوضح فيها أحد القاتلَين سبب جريمتهما مباشرة بعد ارتكابها بشعَين جداً، إلا أنهما منطقيان.

يعتبر هذان القاتلان نفسَيهما جزءاً من حرب تاريخية سياسية ودينية ضد الكفار، الغرب، وكل مَن يرون أنه يقاتل ضد المسلمين في مناطق العالم المختلفة. ولا يبدو هذان الرجلان أقل عقلانية من الإرهابيين الإسلاميين في باكستان وأجزاء عدة من شمال إفريقيا.

في دول تتمتع بمجتمعات مستقرة ثرية وخدمات أمنية ممتازة واسعة الموارد، مثل بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا، ظلت عمليات الإرهابيين محدودة.

ولكن قبل أن نهمش هذا الخطر، علينا أن نتذكر أن أستراليا شهدت في الآونة الأخيرة 23 إدانة بتهم إرهابية. وتشمل بعض المؤامرات التي اكتُشفت خططاً لمهاجمة مفاعل أبحاث نووي في أستراليا، فضلاً عن تنفيذ عمليات قتل جماعي في ثكنات للجيش. ويجب أن نتذكر أيضاً أن 88 أسترالياً لقوا حتفهم في هجوم إرهابي واحد في بالي.

يبدو الغرب معرضاً لخطر التفكير في أن الحرب على الإرهاب قد انتهت، وأن مَن يكرهون مجتمعنا قد زالوا، أو ما عادوا يأبهون بنا، أو تخلوا عن هذا الصراع.

لا شك أن هذا التفكير بعيد كل البعد عن الواقع. أدى رد الفعل تجاه اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر إلى جهود مهولة مناهضة للإرهاب في الغرب حققت نجاحاً كبيراً عموماً، محافظة على أمن الدول الغربية، إلا أن الأوضاع بدأت تتدهور في الآونة الأخيرة. ويعود ذلك إلى التطورات التي تشهدها سورية وشمال إفريقيا.

من المؤكد أن الحوادث التي تقع في سورية تشكل مأساة حقيقية خصوصاً بالنسبة إلى الشعب السوري، فقد دخلت الحرب الأهلية السورية عامها الثالث، وبلغت حصيلة القتلى نحو 90 ألفًا، كذلك بات نحو 1.5 مليون سوري لاجئين في الدول المجاورة، وتعتقد وكالات الاستخبارات الغربية أن نحو 7 ملايين سوري قد يُضطرون إلى الهرب أخيرا من سورية.

لا شك أن هذه كارثة إنسانية ضخمة، إلا أنها ستترك بصمات واضحة على وضع الإرهاب، فقد تحولت سورية إلى مساحة جديدة تدب فيها الفوضى وتجذب آلاف المجاهدين، تماما كما حدث في أفغانستان قبل جيل. وفي سورية، سيريق هؤلاء المجاهدون الدماء، ويتعلمون مهارات إرهابية، ويتبنون وجهة النظر الإسلامية الأكثر تشدداً في العالم.

بعد ذلك، سيعود كثيرون منهم إلى أمم غربية هم من مواطنيها، ومَن يدري ماذا تكون النتيجة؟ تعتقد وكالات الأمن الأسترالية أن مئتَي أسترالي يشاركون في الحرب الأهلية في سورية. حتى إن بعضهم يقاتل إلى جانب "جبهة النصرة"، الجماعة القتالية الأكثر فاعلية في المعارضة السورية. ولم تتردد هذه الجبهة في تأكيد انتمائها إلى تنظيم "القاعدة" علانية.

 صحيح أن القاعدة كمنظمة مركزية باتت أضعف مما كانت عليه سابقا، ربما لأن الكثير من قادتها لقوا حتفهم في اعتداءات الطيارات الأميركية بدون طيار، إلا أن المجاهدين ما زالوا يعتبرونها اسماً قوياً ومبدأ منظماً.

جاء رد الفعل الغربي تجاه الأزمة السورية، أو بالأحرى رد الفعل الأميركي تجاه الأزمة السورية، ضعيفاً، لكن واشنطن لا تملك خيارات جيدة. بذلت أستراليا قصارى جهدها بتقديمها المساعدات الإنسانية للمعارضة السورية ودعمها جيران سورية كي يتمكنوا من التكيف مع تدفق اللاجئين. وهذه بالتأكيد خطوات جيدة، فقد أحسنت حكومة غيلارد التصرف في هذا المجال، لكن سياسة الحلفاء الأوسع، أو بالأحرى سياسة الولايات المتحدة، غير فاعلة. فقد اقتصرت حتى اليوم على الوقوف بمهارة على الهامش، ولكن لهذه السياسة كلفة ومخاطر، تماماً كما أن لاتخاذ الخطوات الضرورية ثمنا ومخاطر أيضاً.

قبل بضعة أسابيع، قابلت السيناتور جون ماكين، الصوت المميز لمبدأ "الدولية" الأميركي التقليدي، ولا يمكننا أن نحدد ما إذا كان ماكين سيشكل رئيساً جيداً لو أنه فاز في الانتخابات الأميركية، لكنه بالتأكيد رجل عظيم. كذلك تمثل أفكاره عن أن الولايات المتحدة يجب أن تساعد في كل وضع حرج، وأن مصالحها تتطلب التدخل الدولي الأشمل، وهو ما يميز الشخصية الأميركية.

أخبرني ماكين أن على الولايات المتحدة أن تفرض منطقة حظر جوي كي تمنع القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد من ضرب الشعب السوري المعارض. كذلك عليها أن تمد المعارضة بالمساعدات الإنسانية والأسلحة.

قال لي ماكين أيضا إن كل التطورات السيئة، التي توقعها المحللون في حال تدخلت الولايات المتحدة (حرب أهلية طويلة، واتخاذ المعارضة طابعاً أصولياً، والأزمة الإنسانية)، حدثت بالفعل لأن واشنطن وقفت مكتوفة اليدين واكتفت بتقديم المساعدة الإنسانية. فكان باستطاعة الولايات المتحدة، في رأي ماكين عموما، أن تقصر الصراع وتمكن العناصر الأكثر اعتدالاً في المعارضة السورية.

ولكن رغم إعجابي الكبير بماكين، أرى أن الحجج التي تناقض ما نصح به قوية وكثيرة.

أولاً، يعيش السنّة والعلويون المتحاربون في مناطق متجاورة، ما يحد من فاعلية فرض منطقة حظر جوي. فضلاً عن ذلك، لا تُعتبر طائرات الأسد الحربية السبب الرئيس لعمليات القتل.

ثانيا، تختلف سورية كل الاختلاف عن ليبيا، فيتمتع النظام السوري بأسلحة دفاع جوية روسية متقدمة، كذلك يملك مخزوناً كبيراً من الأسلحة الكيماوية، ويلقى الدعم من روسيا، التي تمده بالسلاح، وإيران، التي تمنحه السلاح والمقاتلين، فضلاً عن آلاف المحاربين من "حزب الله" اللبناني. قد يكون التصدي عسكرياً لأسلحة روسية وإيران و"حزب الله" الخطوة الأفضل، إلا أنه قد يشكل قفزة إلى المجهول استراتيجيا.

من الناحية السياسية، يبدو الوضع برمته سيئاً بالنسبة إلى الرئيسي الأميركي باراك أوباما.

يشير ديكستر فلكنز في مقال نُشر في مجلة New Yorker إلى أن إدارة كلينتون واجهت أزمة كبرى عندما أُسقطت مروحية "بلاك هوك" وقُتل 18 أميركيا في الصومال، لكن الوقوف على الهامش في وجه الإبادة الجماعية في رواندا، حيث مات مئات الآلاف، لم تكلف بيل كلينتون أي خسائر سياسية تُذكر.

هنا ينشأ السؤال: ما النتائج التي قد يؤدي إليها التدخل الأميركي؟ فيما تتواصل الحرب، ازدادت هيمنة العناصر الأكثر تطرفاً على المعارضة. ولكن مَن يقول إنها ما كانت لتسيطر عليها في مطلق الأحوال؟ ما العمل لو أن الولايات المتحدة أتاحت لمجموعة ما السيطرة، ثم عمدت هذه المجموعة على ذبح عشرات آلاف العلويين؟ حتى تسليح المعارضة محفوف بالمخاطر. ماذا يحدث لو أن الولايات المتحدة أعطت المعارضة السورية صواريخ أرض-جو، تماماً كما قدمت أسلحة مشابهة للمجاهدين في أفغانستان، فاستُخدمت هذه الصواريخ لإسقاط طائرات ركاب إسرائيلية أو أوروبية؟

ولكن مع تواصل الحرب، ينمو أيضا خطر الوقوف على الهامش. تملك سورية مخزوناً كبيراً من الأسلحة الكيماوية، ومع تقدم الثوار، يزداد أيضاً احتمال أن يتمكنوا من وضع أيديهم على هذه المواد.

يُظهر هذا الصراع مرة أخرى ضعف أوروبا العسكري.

أخبرني أخيراً وزير الخارجية البولندي، رادوسلو سيكورسكي، أن أوروبا عاجزة عسكريا عن معالجة الأزمات في محيطها. فما كانت لتستطيع حتى تنفيذ العملية الليبية المحدودة لولا المساعدة الأميركية. إذن، يبدو الاتحاد الأوروبي عاجزاً عسكرياً كما اقتصادياً.

يشكل إخفاق الربيع العربي في كل الدول تقريباً، وتصاعد التطرف في مناطق شمال إفريقيا المختلفة، ووحشية الانشقاق السنّي-الشيعي تطورات ساهمت في بروز المجاهدين. صحيح أن كره هؤلاء المجاهدين للغرب يبدو ثانوياً وسط كل هذه التطورات، ولكن لا تفكروا للحظة في أنه زال.

Greg Sheridan