الربيع على الأبواب، رذاذ المطر الخفيف يتناثر على الأشجار، والبيوت. الشوارع الترابية مبلّلة. لم يحنْ موسم الحصاد بعد. لكن سلمى كانت قد بلغت السابعة. الشقاوة نفسها، وفي عينيها حذر مَنْ ينصب فخاً لحيوانٍ يحبّه. شعرها الفاحم يرتطم بقدميها الصغيرتين، وهي تدخل غرفة وتخرج من أخرى.

Ad

إنها الآن هناك. تقف أمام النافذة، تنظر إلى الطريق الترابي الطويل، المؤدي الى البحر. تلوك في فمها عوداً صغيراً من قصب السكر.

ماليندي، الخادمة، في المطبخ تُجهّز الطعام، وعائشة، تلك الأم القصيرة، تعتني بشؤونها اليومية الرتيبة، والصداع لا يفارقها. تنظر سلمى من النافذة إلى نقطةٍ بعيدة، مستمتعة برحيق قصب السكر. تنظر إلى نقطة لا تراها إلاّ عبر غشاوة عينيها. أسماك ملونة تخرج من البحر، يلتقطها الصيادون من الشباك. الشاطئ الرملي الأبيض يبدو لها ناعماً، وقوارب الصيادين المتناثرة تشبه صناديق صغيرة عائمة.

تغمض سلمى عينيها قليلاً ثم تفتحهما. يمكنها الآن أن ترى الصيادين وهم يرفعون لوحاً أسودَ ويرمونه على الشاطئ.

لوحاً؟ لا، لقد أخطأت، انه رجل، نعم، تلك جثة رجل، ذلك هو الميت الذي التحق إلى السماء قبل الأوان.

لقد رأت سلمى كل شيء، دون أن يستغرق ذلك وقتاً طويلاً. يتوقف الرذاذ، تسحب رجليها في اتجاه المطبخ، كانت ماليندي قد جهزت كل شيءٍ تقريباً. سلمى تتكأ على باب المطبخ:

- أأنت جائعة؟ تسألها ماليندي.

- لا.

- إذن اذهبي بحق الجحيم بعيداً عن رائحة الدخان.

لم تستطع ماليندي أن تُميز نبرة القلق في صوتها، ولم تجهد نفسها للنظر في عينيها. كانت مشغولة بإعداد الصحون والكؤوس وبترتيب ما تبقى لإعداد المائدة. سيكون هذا الخطأ مربكاً على نحو قاطع، عندما ستعلم الأم بما حدث.

"لقد حلمتُ في الليل بالعجوز مابينغو"، قالت سلمى لنفسها، أهي قالت ذلك أم أنها تتذكر وقائع قديمة؟ لا تبدو متأكدة.

تشبه الأحلام الذكريات، فاكهة بمذاقٍ واحدٍ تقريباً، لكنها تعلم بأن العجوز لم تعد تأتي كما كانت تفعل من قبل. في وقت ما لا تتذكره بالتحديد، كانت العجوز تدخل غرفتها، تجلس على حافة سريرها، في يدها صرّة من الكتان، وصندوق أزرق صغير، بعد أن تشرب سلمى عدة فناجين من مواد سائلة، تدلك لها العجوز جسمها الصغير بزيت القرنفل والصبار، ثم تأخذها إلى الجهة الشرقية من البيت الكبير.

هناك في تلك المساحة المرتفعة، المزروعة بأنواع شتى من الأشجار والنباتات، تختار مابينغو عيداناً ناضجة وصلبة من قصب السكر المحيطة بالبئر. تأخذها من يدها إلى التلة. النسيم يهبّ خفيفاً. تسمع سلمى خبط أجنحة الطيور وتلمح من بعيد الليمور، المختبئ بين الأشجار الكبيرة.

قبل ذلك بشهور طويلة، كانت مابينغو تطرق باب البيت الكبير. في ذلك الفجر أطلت عائشة من النافذة ثم فتحت الباب.

سأحاول لكنني لا أعد بشيء، قالت العجوز. هناك ما يمكن عمله لكن في حدود والنتائج غير مضمونة، لدي سوائلي وأعشابي الخاصة لكن هذا قد لا يكون كافياً، ومثل من يطحن حجراً بأسنانه، كانت عائشة تنظر إلى غبش الفجر، الضبابي، من خلال نافذة البهو الكبيرة، وهي تكزّ بأسنانها والصداع يسري من تحت أسفل رقبتها، ليستقر في الجهة اليسرى من جمجمتها، مِن هناك يبدأ مسيرته الكبرى مثل دودة عمياء تحفرُ في أرضٍ طريّة.

مابينغو، المشهورة أيضاً بصفاقة اللسان، لا تهتم كثيراً بالأمر، ما يشغلها يظل على الدوام أمراً مختلفاً. أيتها الشابة، لا تقلقي سيزول هذا، ستموتين وسيختفي الألم. ألم أقل لك أن تستحمي بماءٍ بارد؟ سلمى؟ سلمى وضعها يختلف، إنها صبية صغيرة، لا تقلقي بشأنها، حالة نادرة لكن لا تقلقي.

انتم العرب لا تفهمون، نحن الأفارقة نفهم ما ينبغي عمله، بحق الجحيم انظري إليّ، سأقوم بالواجب، البنت صغيرة، لكن عليها أن تصبغ عينيها بذلك القرص الذي يلمع في السماء نهاراً، إنها تنمو بسرعة مثل ثمرة القلقاس.