يقدم معرضAfterimage  لجنان مكي سلسلة من اللوحات والأعمال الشخصية للغاية، التي تبدو كأنها مذكرات للفنانة وعائلتها في بيروت ومطارها وشوارعها ومقاهيها. تغلب على المعرض الصورة الفوتوغرافية كتعبير عن الزمن والأحوال والحنين، وعلى خلفياتها كولاج مذكرات الذات والشارع والسفر والبريد والطيران. وفي لوحات أخرى يسيطر استذكار زمن مآسي الحرب وشبح الدمار والخراب والموت.

Ad

تعمل الفنانة على الصور الشخصية من خلال كولاج لتشكيل «ومضات» من ماضيها الذي يتداخل مع حاضرها وماضي عائلتها في السفر والترحال. تستدعي من خلال أعمالها وصورها لغة اللقطة الشخصية، والمشهد العام العالق في الذاكرة من الخلف، معتمدة الأسلوب التقليدي في تشكيل صور فوتوغرافية مع الألوان والباستيل. كذلك تستعيد شعوراً بالحنين من داخل تراكيبها لتبدو اللوحة كأنها تراكم أزمنة وأوجه، أو لنسمي اللوحة «بيتاً بمنازل كثيرة». تسرد اللوحات وجه لبنان المتغير وتفسر الألم الذي مزقه، فمن خلف السيجارة وأحمر الشفاه ثمة سرد وتفاصيل تطاول المدينة كلها من التسكع الى المقاهي والناس والحياة برمتها.

 

تمليح الأشياء

تقدم جنان مكي باشو في أعمالها قصة غنية في كل لوحة، والقصة ليست في التفاصيل بل في تمليح الأشياء سواء درج البيت القديم أو المطار حيث تجد ما يوحي بقصص ثنائية بين الأهل والأبناء، بين بيروت والفنانة، وبين بيروت والحرب. ولا يغيب الحنين عن الأعمال المعروضة، وذلك من خلال إدخال صور قديمة في الكولاج أو مشهدية المنزل القديم والصور الرومنسية. وتبدو اللوحات ناطقة، فتسمع إنذار الإسعاف يصعد من وراء الألوان.

 إحدى اللوحات تمثل مشهداً من ذاكرة الحرب الأهلية بعنوان «السلام»، صورة مثل أيقونة عن زمن الموت والألم والحرب، صورة الأم التي ما زالت في الذاكرة، فهي أم تحضن ابنها خوفاً من الموت أو ترفع صورة ابنها الذي خطف أو قتل في الحرب. الأم في الصورة في لحظة تأمل وصفاء روحي كأن الفنانة من خلال المشهد أرادت محو الدمار من الخلف، جعلت إحساس الأم حاملة الطفل أقوى من باقي المشهد. هنا لغة الروح أقوى من لغة الخراب. يُذكر أن جنان مكي رسمت في معرض سابق بشظايا القنابل صرختها ضد الحرب، وصوَّرت خارطة بيروت مشطورةً كجسد يدمي.

خلال حياتها الخصبة بالتجارب، تنقّلت جنان مكّي باشو بين أكثر من 22 بيتاً في خمسة بلدان وثلاث قارات. التشكيليّة والأستاذة الجامعيّة ولدت في تلّة الخياط، ودرست الأدب الفرنسي والفنون الجميلة في «الجامعة اللبنانيّة» قبل أن تهاجر مع زوجها وولديها على أثر اندلاع الحرب الأهليّة. في فرنسا والولايات المتحدة، درست الفنون التشكيليّة بين رسم وطباعة حجريّة، وأقامت في أميركا بين 1984 و2000 تاريخ عودتها إلى بيروت. بعض أعمالها من مقتنيات «المكتبة الوطنيّة» في باريس، «مكتبة الإسكندريّة» ومتاحف بين واشنطن وريو دي جينيرو ونيويورك والقاهرة.