يقف في الباب متوكئاً على عكاز وقد لفّت الضمادات ساقه اليمنى. إنه الرجل نفسه الذي تواجد في ذلك المكان حين أقدم ستة رجال على اغتصاب امرأة لم تكن ببعيدة عنه. يُدعى هذا الرجل أويندرا براتاب باندي، يقف محدقاً في الخاتم الذهبي الذي يزيّن إصبعه، الخاتم عينه الذي قدّمه لها في الحافلة حيث حصل كلّ شيء.في قريته في ولاية اوتار براديش، شمال الهند، أخذ والد الفتاة يتذكر نظرات ابنته الأخيرة في المستشفى، يتذكر كيف أومأت إليه وكأنها تسأله إن تناول الطعام وكيف وضع يده على جبينها وكيف قبلت يده. اغرورقت عيناه بالدموع واختنقت العبارات في حلقه. وفي متجر صغير خالٍ من النوافذ في سوق دلهي، أشارت فتاة إلى حقيبة أرجوانية اللون مزينة ببرشام ذهبي تملك صديقتها التي غالباً ما كانت تقصد السوق بصحبتها واحدةً مثلها. التفت باونا سينغ حولها كي لا يسمعها البائع تنهدها وقالت: «أفتقدها كثيراً».
وصفت وسائل الإعلام الهندية الفتاة البالغة من العمر 23 عاماً بالشجاعة التي لا تخاف وبالكنز وبابنة الهند. ينصّ القانون الهندي على ضرورة إبقاء هوية الفتاة المغتصبة سراً إلا أن والدها قرر الإعلان عن اسم ابنته كي يتعرف إليها العالم أجمع: جيوتي سينغ باندي. من الحقول إلى الأسواق أثرت وفاة جيوتي في الناس حول العالم. توفيت في مستشفى في سنغافورة بعد 13 يوماً من تعرضها لاغتصاب جماعي في حافلةٍ في دلهي في 16 ديسمبر الفائت. مذاك، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع الهندية احتجاجاً على المعاملة التي تلقاها النساء في بلادهم من إهانة وعنصرية. فيما قبضت السلطات المختصة على المذنبين.تنقل قصة جيوتي الكثير عن بلدٍ يتغيّر بسرعة. إنها قصة الناس الذين تركوا أكواخهم الترابية ويكافحون للوصول إلى الحداثة إما بأملٍ يملؤهم أو بطموح يفتقدون إليه ويسعون وراءه.بدأ ذلك المساء بمثلجات الشوكولا برفقة صديقها مهندس البرمجيات أويندرا وانتهى بين قبضة ستة رجال تركوها تنزف عارية على قارعة طريق المطار بين أكوام النفايات والقذارة. كان أويندرا يعلم رغبة جيوتي الشديدة في السفر ومغادرة البلاد والعمل خارجاً في الولايات المتحدة أو ربما كندا. في ذلك المساء الذي أمضته في مجمع تجاري كبير، شعرت أنها أقرب إلى الحياة التي تطمح إليها وبعيدة جداً عن قرية ميدوارا كالان المحاطة بحقول القمح والتي تفتقر حتى إلى أبسط مظاهر الحضارة.مفعمة بالأحلامانتقل والد جيوتي إلى دلهي في عام 1983 حيث عمل في غسيل السيارات أولاً ثم حاول أن يعمل مستقلاً في بيع أجهزة قياس الفولتية إلا أنه أخفق، فانتقل للعمل كحارسٍ أمن ثم إلى تحميل الطائرات في المطار. واضطر إلى العمل ساعات إضافية ليصل مردوده الشهري إلى 186 دولاراً تعينه على إعالة أولاده الثلاثة.في البداية أرسل جيوتي وأخاها إلى مدرسة خاصة جديدة فكانت الفتاة الأولى في تلك المدرسة التي شجعت التلامذة حتى من خلال بوابتها المزينة بقوس قزح وأزهار وفراشات وبأقوال تملأ جدرانها من بينها: «يفتح التعليم الأبواب، يبقى عليك أن تدخل بنفسك». فعلاً دخلت جيوتي أبواب العلم فكانت تلميذة متفوقة تساعد الآخرين على تعلّم اللغتين الإنكليزية والهندية والرياضيات. ولطالما وبخت أخويها اللذين أضاعا أوقاتها باللهو بدلا من الدرس.أدركت جيوتي مبكراً أنها ترغب في دراسة الطبّ، كانت تقرأ الجرائد والكتب في مكتبة مدينة ديهارادون حيث كانت تدرس العلاج الفيزيائي. وإذ احتاجت إلى المال، عملت ليلا في مركز اتصالات. كان والدها يفتخر بها وبثقتها وعزمها وقد باع قطعة أرضٍ ليدفع تكاليف دراستها. كانت واحدة من النساء الهنديات الكثيرات اللاتي يقطنّ في العاصمة. ابتاعت لنفسها حاسوباً محمولا وكوّنت لنفسها آراء خاصة. كان الزواج بالنسبة إليها أمراً حتمياً إلا أنها كانت ترفض أن تقترن برجلٍ أميّ جاهل وتؤجل هذه الخطوة إلى أن تؤسس عملا وتستمتع بحياتها.في مساء 16 ديسمبر، فات جيوتي اتصالا من والدتها فقلقت وأرادت العودة إلى المنزل. قرر الصديقان أن يستقلا العربة الهندية، فهي أكثر أماناً من غيرها إلا أنهما لم يحظيا بسائق يوصلهما إلى الحيّ حيث تقطن جيوتي نظراً إلى بعد المسافة فاستقلا عربةً أوصلتهما إلى موقف الحافلات في مونريكا وركبا حافلةً بيضاء خاصة بناءً على اقتراح جيوتي علماً أن صديقها سبق وحذرها من هذه الباصات إلا أنها اعتقدت أن وجوده هذه المرة سيمنحها الأمان والحماية. على متن الحافلة واجهت جيوتي عند الساعة التاسعة والربع مساءً رام سينغ الذي تعتقد الشرطة أنه كان قائد مجموعة المغتصبين.ألقت الشرطة القبض على رام سينغ وأخيه موكيش اللذين سبق ودخلا السجن في راجستان التي تتجنبها حتى سيارات الأجرة لكثرة أعمال السطو فيها. كانت والدة الشابين السبعينية رام باي مستلقية إلى جانب زوجها على الأرض أمام كوخٍ ترابي. كانت تدرك ألا حيلة لها إلا بالصلاة بعدما علمت أن الشرطة ألقت القبض على ولديها على أثر اقترافهما ذنباً مريعاً.توفي والد الشابين منذ مدةٍ طويلة وانتقلت والدتهما إلى دلهي مع زوجها الجديد والأولاد منذ 25 عاماً بعدما عجزوا عن جمع قوتهم اليومي في كارولي حيث يملكون حقل قمحٍ صغير. إلا أن الحياة في المدينة لم تكن أفضل، فعاشت العائلة في أحد أكواخ مخيم رافي داس وعمل زوج الأم بستانياً في منازل الأثرياء وترك رام وأخوته المدرسة باكراً وعملوا لكسب المال.ومن القليل الذي تعلمه والدته عنه أفضت إلينا أنه متدين وأنه ترك ذلك اليوم المنزل مبكراً وعاد متأخراً في المساء وكان يدخّن ويتعاطى الخمر، وشددت والدموع تملأ عينيها أنه كان يحترمهم. هل كان رام يأمل بمستقبل أفضل؟ أجابت أمه أنه كان يكسب مالا زهيداً لا يكفي لتحقيق أي حلمّ لم يكن ليملكه أصلا.«نتكلّم عن كلّ شيء»لا تزال الكوابيس تقلق ليل أويندرا براتاب باندي. لقد فعل ما في وسعه لمساعد جيوتي. ضرب أحد الرجال ودفع بآخر ناحية قمرة السائق. إلا أنهم ضربوه بقضيب حديدي على رأسه فهوى أرضاً. وحين جرّ الرجال جيوتي إلى مؤخرة الحافلة حاول الوصول إليها إلا أن الرجال ألقوا به أرضاً. وقد سمعهم يقولون إنها ماتت. جرّ الرجال الصديقين وألقوا بهما خارج الحافلة وحين حاول السائق دهس جيوتي أبعدها أويندرا لينقذها.تلمع عيناه حين يتحدث عنها. يجد نفسه أحياناً يضحك حين يتذكر هوسها بالأحذية وقدرتها على حفظ أرقاماً هاتفية خاصة به وأغانيه المفضلة التي لطالما غنتها له ومحادثاتهما المسائية عبر الإنترنت وزياراتهما للأمكان المقدسة.كانا مختلفين جداً. كانت مفعمة بالحياة فيما كان هو هادئاً. كانت تحبّ اليوغا أما هو فكان يتعب سريعاً. وقد أعدت له نظاماً غذائياً يعتمد على الحليب والفاكهة صباحاً ليخسر كرشه الصغير. كان على استعداد ليتحدث عنها إلى الأبد وحين سُئِل عن الرابط الذي كان يجمعهما أجاب: «كنا نتكلّم عن كلّ شيء». إلا أنه كان يستعمل مصطلح الصداقة ليصف علاقتهما وهو مصطلح مقبول في المجتمع الهندي.أويندرا ابن لمحام، وهو ينتمي إلى طبقة البراهمان المرموقة فيما تأتي جيوتي من طبقةٍ أدنى. لذلك اعتقد والداها أن من الجنون القول إنهما مخطوبان. لم يكن سهلا أن يرسم الصورة التي سيتذكرها العالم عن ابنته. أراد أن تصدر الدولة قانوناً يفرض عقوبة الإعدام على المغتصب يحمل اسمها، اقترح بناء مستشفى يحمل اسمها في بلدته، أراد أن تتغير الأمور بعد وفاة ابنته التي فتحت عينيه على ضرورة تحلي الفتاة بالقوة والاستقلالية وشجاعة المكافحة. وهو يعلم أن كثراً يقولون إنها أغوت الرجال لاغتصابها وكانت غير محتشمة في لباسها ووحيدةً في الخارج في ساعة متأخرة من الليل.بعد هذه الحادثة الأليمة خرج الناس إلى الشارع في الهند، معلنين رفضهم السكوت عن حالات الاغتصاب بحجة الخوف من اتهامهم بعدم صونهم طهارة بناتهم. طالب المحتجون والمشاركون في مسيرة الشموع في دلهي الدولة بحماية المرأة ضد المغتصب.كانت أحلام جيوتي ورغباتها لا تزال كثيرة: كانت نباتية ترغب في تناول الدجاج لمرةٍ واحدة وحلمت بشراء فستان أسود ومشاهدة فيلم نجمها المفضل سلمان خان وشراء سيارتها الخاصة. قبل بضعة أسابيع من وفاتها، قالت جيوتي إنها ترغب في تمليس شعرها وتلوين بعض خصله فسألتها أمها من أين ستجلب المال اللازم لذلك فأجابتها أنها ستصبح ذات يومٍ ثرية جداً وطبيبة أعصاب معروفة. قالت في ما قالت أيضاً إن يوماً ما ستعرف الدنيا فتاةً تُدعى جيوتي سينغ باندي.
توابل - EXTRA
مأساة الاغتصاب في الهند... أحلام «الشجعان»
29-01-2013
صدمت جريمة اغتصاب جيوتي سينغ باندي العالم وهزّت الأوساط الهندية فأشعلت الرأي العام الذي نهض مطالباً بتشريعات قانونية تحد من جرائم الاغتصاب الكثيرة في الهند. ساندرا شولز وويلاند واغنر من «شبيغل» تحدثا إلى والدها صديقتها وصديقها.