ظهرت أخيرًا أبحاث تشير إلى أن الماريجوانا ليست المخدر الأسوأ في العالم، فاستخدامها الطويل لا يؤذي معدل الذكاء. كذلك قد تشكّل وسيلة فاعلة للتخفيف من أوجاع مَن يعانون آلامًا مزمنة.

يشير تقرير نُشر في مجلة Nature Neuroscience إلى أن العلماء استخدموا دواء لزيادة معدلات مادة حمض الكينورينيك، التي تُفرز طبيعيًّا في دماغ جرذان أُعطيت جرعات من مكون الماريجوانا الناشط (THC). عندئذٍ تراجعت معدلات النشاط، التي ترتبط باللذة والتي يحفزها الناقل العصبي الدوبامين، في مناطق أساسية من الدماغ. وفي تجربة ثانية، عندما أعطوا جرعات من هذا الدواء إلى قردة تتناول بمفردها مكون الماريجوانا الناشط، خفضت طوعًا الكمية التي استهلكت بنحو 80%.

Ad

بكلمات أخرى، يبدو أن هذا الدواء (الذي يحمل اسمًا صعبًا: Ro 61-8048)، برفعه معدلات حمض الكينورينيك، يقلل من المتعة التي تولدها الماريجوانا، ما يحدّ من خصائص إدمانها النفسية.

يذكر روبرت شوارز، عالِم أعصاب في جامعة ماريلاند وأحد المشاركين في هذه الدراسة: {من المثير للاهتمام أننا عندما تأملنا سلوك المدمن، لاحظنا أن رفع معدلات حمض الكينورينيك عطّل احتمال إساءة استعمال الماريجوانا وإمكان الانتكاس. ولا شك في أن هذه مقاربة جديدة تؤثر في عمل مكوّن THC}.

يدرك علماء الأعصاب، منذ بعض الوقت، أن الماريجوانا (فضلاً عن مواد أخرى يمكن إساءة استعمالها، مثل النيكوتين والأفيون) تولّد شعورًا بالنشوة برفع معدلات الدوبامين في الدماغ. وخلال العقود القليلة الماضية، اكتشف شوارز وعلماء آخرون أن لحمض الكينورينيك دورًا كبيرًا في ضبط نشاط الدماغ الذي يحفز الدوبامين.

عرقلة المتعة

جمع شوارز، بالتعاون مع باحثين في  المعهد الوطني لإدمان المخدرات (إحدى المنشآت القليلة التي تحصل على مكون THS وتستخدمه بشكله الصافي) ومختبر جاك بيرغمان في هارفارد (الذي يدرس تأثيرات THC ومخدرات أخرى في الحيوانات)، هذين المبدأين لتحديد ما إذا كان من الممكن التلاعب بمعدلات حمض الكينورينيك لعرقلة قدرة الماريجوانا على توليد المتعة. ولتحقيق هذا الهدف، اكتشفوا أن Ro 61-8048 يعيق المسار الكيماوي الذي يسلكه حمض الكينورينيك في خلايا الدماغ، ما يؤدي إلى عرقلة أيضية تسبب ارتفاع معدلات حمض الكينورينيك اصطناعيًّا.

عندما أعطوا الجرذان هذا الدواء، اكتشفوا أن النشاط، الذي يحفزه الدوبامين في مراكز مكافأة عدة في الدماغ (مثل النواة المتكئة nucleus accumbens)، لم يعد يرتفع مع THC، كما يحصل عادةً. فأكدت هذه النتيجة فرضية أن حمض الكينورينيك يعيق المستقبلات العصبية ذاتها التي يستخدمها الدوبامين، ما يجعله أقل فاعلية في إثارة مراكز المكافأة وتوليد الشعور بالنشوة.

لكن اللافت السلوك الذي رأوه في الجرذان والقردة التي أُعطيت هذا الدواء. كان باستطاعة هذه الحيوانات، بالضغط على مقبض داخل القفص، أخذ جرعة من مكوّن THC مرارًا. وخلال المرحلة الأولى من التجربة، لم تنفك تتناول هذا المكون، ضاغطة على المقبض بمعدّل 1.2 مرة كل ثانية.

ولكن عندما رفع الباحثون معدلاتها من حمض الكينورينيك بإعطائها Ro 61-8048، قررت استهلاك THC بنسبة أقل بنحو 80%. ولكن عندما انقضى تأثير الدواء وعاد حمض الكينورينيك إلى معدلاته الطبيعية، رجعت إلى الضغط على المقبض بالسرعة عينها.

في تجربة أخرى، اختبر العلماء ميل القردة إلى الانتكاس. أولاً، أعطوها قدر ما تشاء من THC، ومن ثم خفضوا تدريجًا كمية هذا المكوّن الذي تتلقاه مع كل مرة تضغط فيها على المقبض إلى أن بلغت الصفر، ما حمل القردة في النهاية إلى الكف عن الضغط. ثم أعطى الباحثون القردة حقنة تلقائية صغيرة من THC، فعاودت الضغط على المقبض بسرعة. ولكن عندما أعطوا القردة جرعة من Ro 61-8048 قبل حقنها بهذا المكوّن، عادت قلة منها إلى الضغط على المقبض. يبدو أن حقنة THC لم تؤدِّ إلى المعدل ذاته من المتعة.

تأثيرات

يرتبط الدوبامين بالمتعة التي تولدها أنواع مختلفة من المخدرات في الدماغ. لذلك قد تكون لدواء Ro 61-8048  التأثيرات المضادة للإدمان ذاتها عندما يُستخدم مع أنواع أخرى من المخدرات، وفق معدي هذه الدراسة. يذكر شوارز: {نجري راهنًا بعض التجارب مع إدمان النيكوتين. وقد توصلنا إلى بيانات أولية مثيرة للاهتمام تُظهر أن لهذا الدواء التأثير ذاته}.

لكنه حذّر من أن سنوات قد تمر على الأرجح قبل أن تؤدي هذه المقاربة إلى علاج للإدمان يحظى بموافقة إدارة الأغذية والأدوية الأميركية. ويعود ذلك، في جزء منه، إلى مدى تعقيد الدماغ وتأثير عدد كبير من النواقل العصبية فيه. يقول شوارز: {لا شك في أن تعرضنا لكمية كبيرة من الدوبامين مضر لنا، إلا أن الأمر ذاته ينطبق على التراجع الكبير في هذا الناقل العصبي. تحتاج إلى الاستتباب. لذلك علينا أن نحرص على ألا نخفض معدلات الدوبامين كثيرًا}. ولكن إن توصل العلماء، على الأمد الطويل، إلى طريقة فاعلة لزيادة معدلات حمض الكينورينيك بهدف الحد من فاعلية الدوبامين، فقد يقدّمون للمدمنين خيارًا جديدًا عندما يقررون الإقلاع عن إدمانهم.