إن تغير وتيرة التصريحات بين أميركا وإيران لم يأت بشكل عفوي، بل جاء نتيجة قراءة دقيقة لتطورات المنطقة من قبل الطرفين. فقد شكل فوز الإصلاحيين بمنصب رئاسة الجمهورية فرصة ذهبية للإيرانيين في إخراج بلدهم من عزلته الدولية وتدهور علاقاتهم مع أميركا والغرب، التي تزامنت مع تطورات الأزمة السورية واستشعارهم للخطر المحدق بهم من خلال جدية أميركا والغرب في إسقاط نظام بشار الأسد إن عاجلا أم آجلا، لذلك فلا ضير من ممارسة سياسة «فقه الممكنات» والتراجع عن قسم من مواقفهم التي تثير حفيظة أميركا مقابل الحفاظ على وجود وبقاء «الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وهكذا، فإن التصريحات الإيرانية الأخيرة التي تبنت من خلالها مواقف سياسية مرنة حيال الوضع السوري أو الملف النووي الإيراني وإعطاء تأكيدات أنه ليس لإيران نوايا توسعية في المنطقة... كلها تشير إلى تغير واضح في السياسة الإيرانية الخارجية (إن لم يكن الهدف منها استغلال عامل الوقت).

Ad

هناك سببان رئيسيان منعا أي تقارب أميركي- إيراني منذ ثورة الخميني حتى يومنا هذا هما:

أولاً، الطموح السياسي الإيراني للتحول إلى قوة سياسية وعسكرية في المنطقة، وهذا يؤرق صانع السياسة الأميركية، ليس إزاء إيران فحسب، بل إزاء أي دولة تتبنى مثل هذا الطموح، وما حصل مع نظام صدام حسين في السابق يدل على هذا التوجه الأميركي بوضوح.

ثانياً، الموقف العدائي المسبق الذي تبنته الثورة الإيرانية حيال أميركا والوجود الإسرائيلي في المنطقة.

إلا أنه ومثلما قلنا، فإن الحنكة السياسية الإيرانية بدأت تستشعر الآن خطراً حقيقياً على وجودها وأمنها الوطني، خصوصاً بعد تطورات الأزمة السورية واحتمال إسقاط نظام بشار الأسد، الذي يعتبر حلقة وصل بينها وبين «حزب الله» في لبنان، فضلاً عن الحالة الاقتصادية الخطيرة التي تعانيها إيران نتيجة الحصار الدولي عليها، بالإضافة إلى الاستقطاب الطائفي الموجود في المنطقة والذي يهدد بنشوب حرب طائفية فيها ستكون إيران الطرف الأضعف فيه فيما إذا بقيت المعادلات السياسية في المنطقة على ما هي عليه الآن من تقارب خليجي تركي مع أميركا على حساب الجانب الإيراني.

كل هذه الأسباب وغيرها الكثير تعطي استنتاجات أن من مصلحة إيران تغيير النهج السياسي الذي اتخذته حتى الآن والتقرب من أميركا بدلاً من الدخول معها في صدام مباشر أو غير مباشر لن تخرج منه منتصرة في وضعها الداخلي والخارجي الحالي.

أما ردود أفعال الجانب الأميركي فتبدو مرحبة بفكرة التقارب مع إيران لأسباب كثيرة منها:

- إن فتح قنوات دبلوماسية مع إيران في الوقت الحاضر تحيدها عن اتخاذ أي رد فعل مباشر أو غير مباشر في حال اتخاذ القرار النهائي بإسقاط النظام السوري.

- كذلك فإن الوصول مع إيران إلى تفاهمات مشتركة سيزيل التخوفات الأميركية من النوايا الإيرانية في المنطقة إزاء إسرائيل.

- التقارب الأميركي مع إيران يمثل فرصة جديدة لأميركا لابتزاز الدول الخليجية بشكل أكبر لمصلحة أجنداتها، لاسيما أن دول الخليج لا تمتلك أوراق ضغط كثيرة على أميركا سوى ورقة النفط، وهي ورقة تعتبر محروقة حالياً لكون إيران تمثل (هي وحليفتها العراق) مصدراً مهماً للطاقة في المنطقة تستطيع أميركا من خلالهما الاستغناء عن حاجتها النفطية لدول الخليج، بل إن أميركا بتقاربها من إيران ستجبر دول الخليج على تقديم المزيد من التنازلات السياسية لها للإبقاء على مستوى علاقاتها مع أميركا على نفس الوتيرة السابقة، مما ينتج عنها توترات جديدة في العلاقة بين الطرف الخليجي والإيراني بسبب المنافسة المحتملة بين الطرفين للتقرب مع أميركا قد تتعدى آثارها النواحي السياسية لتصب في موضوع تأجيج الصراع الطائفي في المنطقة وإثارته بشكل أسرع وأقوى، وهذا ما يصب في مصلحة السياسة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

- ليس مستبعداً أن يكون التوجه الأميركي المحتمل صوب إيران يمثل رد فعل أميركي على سياسات بعض دول الخليج التي أعطت لأميركا صورة مشوهة عن الأوضاع الداخلية في دول ثورات الربيع العربي جعلتها تتخذ على أساسها مواقف غير صحيحة أضرت بالمصالح الأميركية في الوضع العربي الجديد بشكل كبير.

استناداً إلى ما سبق قد يكون التقارب الإيراني- الأميركي خطوة تكتيكية من أجل مكاسب سياسية مؤقتة للطرفين، أو لكسب الوقت كما ذكرت بعض المصادر، ولكن من غير المستبعد أن تتحول هذه المكتسبات الآنية إلى تحالف استراتيجي بينهما إذا ذللوا العقبات التي تعترض طريق هذه الخطوة، وحينئذ سيكون الجانب العربي هو الخاسر في هذه المعادلة الجديدة كعادته دائماً.

* كردستان العراق - دهوك