كشف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن "رزمة الإصلاحات" التي طال انتظارها، والتي "ترسم مسار الأمة" للسنوات العشر المقبلة، أي حتى 2023، علماً أن تلك السنة تسم الذكرى المئة لتأسيس الجمهورية التركية. وهنا تكمن المفارقة، بما أن أردوغان يبدو مصمماً على إلغاء كل ما يتعلق بهذه الجمهورية إلا اسمها.

Ad

لا تُعتبر خطته لتعديل الدستور واستبدال النظام البرلماني الراسخ منذ زمن بنظام رئاسي (مع تبوئه منصب الرئيس والقائد الأعلى) إلا جزءاً من هذه الرزمة. فقد عمد أيضا إلى إلغاء أحد أهم إنجازات كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية الحديثة.

في عشرينيات القرن الماضي، بنى أتاتورك الأمة التركية من أنقاض الإمبراطورية العثمانية، فاستبدل أتاتورك والنخب العسكرية والثقافية المحيطة به الإسلام بالروح القومية التركية لتكون الرابط الرئيس بين الإثنيات الكثيرة في هذا البلد.

خلال السنوات التسعين الماضية، لم يحقق هذا المشروع النجاح المطلق، إلا أنه تمكن من توليد رابط قوي بين أغلبية المواطنين.

لكن أردوغان يبدو اليوم مصمماً على تقويض ذلك بطريقتين.

أولاً، تشجع رزمته أتراكاً كثراً على إعادة تحديد هويتهم بصفتهم أقليات. على سبيل المثال، اكتشف أردوغان الأقلية اللزجينية ووعد بالسماح لأعضائها بتعليم أولادهم "بلغتهم الخاصة".

ولكن يعود نحو 20% من الشعب التركي على الأرجح إلى اللزجين وأصول قوقازية أخرى (من بينها الشركسية، الكاراتشاية، الأودمورتية، والداغستانية). لكن معظم هؤلاء نسوا تقريباً أصولهم منذ زمن وذابوا في الهوية التركية الأكثر شمولية، فما الغاية من تشجيع إعادة ظهور هويات الأقليات هذا اليوم؟

في هذه الأثناء، لا يقدم أردوغان الكثير للأقليات التي تمكنت من الحفاظ على هويتها طوال العقود التسعة الماضية، ولعل الأبرز بينها الأكراد، الذين يشكلون 15% من الشعب.

يعود جزء من الفضل في نجاح حزب العدالة والتنمية، الذي يرأسه أردوغان، في الانتخابات إلى الأكراد، فمن دون الصوت الكردي، ما كان هذا الحزب ليحصل على أكثر من 40% من الأصوات. إلا أن هذه الرزمة لا تقدم الكثير للأكراد.

صحيح أن هذه الرزمة تسمح لهم باستخدام لغتهم الخاصة، إلا أنها لا تتيح لهم الكتابة بأبجديتهم، كذلك لا تسمح لهم باستخدام الحرف "و" وأحرف أخرى لا وجود لها في الأبجدية التركية-اللاتينية، إلا أنها كثيرة الاستعمال في الكردية.

أكد لي القادة الأكراد أن هذه الرزمة لا تمنحهم إلا 5% مما طالبوا به خلال المفاوضات الطويلة مع أردوغان.

يُعتبر العلويون، الذين يُمارسون شكلاً معتدلاً من الإسلام ويقدمون الدعم الأبرز للعلمانية في تركيا، الأقلية الفعلية الثانية التي لا تحظى بالكثير. صحيح أن أردوغان يستخدم موارد الدولة ليدعم الإسلام السني، غير أن العلويين لا يستطيعون الاستحصال حتى على رخص بناء لتشييد دور العبادة.

يتعرض الأرمن أيضا للإجحاف، فلا يُعطون حتى وعداً بإجراء تحقيق غير متحيز في ادعاءات الإبادة التي ارتُكبت بحقهم عام 1915.

تعتمد الركيزة الثانية في استراتيجية أردوغان على إعادة تنشيط قاعدته الإسلامية. فستسيطر مئات الجمعيات التابعة لـ"الإخوان المسلمين" على مساجد تديرها الدولة، ومواقع دينية، وأملاك الوقف، ما يمنح حزب العدالة والتنمية قاعدة شعبية واسعة في أرجاء تركيا المختلفة.

يخبر أردوغان الأتراك بطريقة غير مباشرة أن عليهم الكف عن اعتبار أنفسهم مواطني دولة علمانية. فهم، في رأيه، أقليات تعيش في دولة خاضعة لأغلبية مسلمة سنية، وهذا ما يُدعى بالعثمانية الجديدة. يستخدم أردوغان "ملاذكرد" كشعار ليروج لرزمته، إلا أن هذه معركة دارت بين السلطان السلجوقي ألب أرسلان والإمبراطور البيزنطي رومانوس عام 1071. وتُعتبر أول انتصار عظيم للجيوش الإسلامية ضد المسيحيين في آسيا الصغرى. وقد وقعت قبل قرون من وصول الأتراك العثمانيين إلى المنطقة.

يبدو أن أردوغان، بطرحه هذه المعركة بصفتها أحد انتصارات الإسلام ضد "الكفار"، يضع أمام عينيه الذكرى الألف لها. فهل ينوي أن يعيد تركيا ألف سنة إلى الوراء؟

قسم النظام العثماني أتباع السلطان وفق معتقدهم الديني إلى عشرات "الملل"، وسُمح لكل منها بتطبيق قوانينها الخاصة في مناطقها، ما دامت تدفع الضريبة.

من المستبعد أن يشارك معظم الأتراك أردوغان في حلمه: إعادة تأسيس دولة إسلامية أسطورية يكون هو الخليفة فيها، وإن كان يحمل لقب رئيس. لكن جهوده الرامية إلى إعادة تعريف الجمهورية التركية وهويتها العلمانية قد تؤدي في النهاية إلى إعادة تنشيطها.

* أمير طاهري | Amir Taheri