«أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً» قالها الممثل المخرج، معلم المسرح الحديث ومدير مسرح موسكو الفني والحائز لقب فنان الشعب في الاتحاد السوفيتي «ستانسلافسكي» (1863- 1938)، ويمكن تعديلها حسب مقاييس العصر الحديث لتُصبح: «أعطني فناً أعطيك شعباً مثقفاً»، وهو الهدف الذي أدركته دول العالم المتحضر فأولت اهتماماً كبيراً بالفن، وأفسحت له مجالاً كبيراً من الدعم والرعاية، وتكرر أيضاً في الدول الدكتاتورية، التي عرفت أهمية الفن في توجيه الشعوب وتحريكها، فوضعته على رأس أولوياتها!

في السياق نفسه، أجمع الساسة والفلاسفة ورجال الفكر على أنه «لا ينبغي التقليل من دور الفن أو النظر إلى الإبداعات الفنية؛ سواء كانت فيلمية أو مسرحية أو موسيقية أو تشكيلية، بأنها مجرد سلع تجارية، بل رسالة ثقافية بالدرجة الأولى».

Ad

هكذا تنظر الأمم إلى دور الفن وتُعظم تأثيره، بينما تتراجع هذه النظرة بقوة في مصر، التي يبدو وكأن البعض فيها ما زال يتصور أن «الممثل فاقد الأهلية، ولا يُعتد بشهادته أمام القضاء»؛ فالنظرة المتدنية إلى الفن والفنانين، ما زالت على حالها من الدونية والتطاول والتجرؤ والرغبة في تسفيه دوره، ومحوه إذا دعت الحاجة، وهي النزعة التي بلغت ذروتها مع تنامي ظاهرة التطرف الديني، وسيطرة فصيل بعينه من التيار الرجعي والظلامي الذي يمقت الفن، ويزدري الفنانين، ربما لأنه يستشعر خطورة الدور الذي يؤديه الفن، وقدرته الفائقة على الوصول إلى الحشود الغفيرة من البشر عبر دغدغة المشاعر والأحاسيس، ومخاطبة الروح وإيقاظ قيم الخير والحب والجمال في النفوس، وليس اللعب على وتر الدين، واستثمار الجهل في تمرير الأفكار الهدامة، ودس الأباطيل!

هذه العلاقة الملتبسة والنظرة المتدنية إلى الفن تتجلى بقوة هذه الأيام في الحرب الشرسة التي يتعرض لها القيَمون على مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، على أيدي عدد من المسؤولين الرسميين والموظفين الحكوميين الذين خُيل لهم أن وضع العراقيل وافتعال المشاكل والحيلولة دون إقامة الدورة الثانية للمهرجان (15 ـ 24 مارس 2013)، سيُرضي الفصيل الديني الحاكم الذي يشن «حرباً باردة» ضد الفن، ويعيش حالة من «القطيعة» مع التظاهرات الفنية، والمهرجانات السينمائية؛ فإضافة إلى المعوقات البيروقراطية التي تعكس جهلاً صارخاً بدور المهرجان؛ خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية العصيبة التي تعيشها مصر، وأهمية توظيفه لتمرير رسالة توحي باستقرار الأوضاع، يسعى بعض الجهلاء، ومن بينهم قيادات في وزارة الثقافة (!) إلى إلغاء الدورة المقبلة من المهرجان بحجة أن «الوقت غير ملائم»، وأن «الظروف التي تعيشها البلاد لا تحتمل»، وكأننا في صدد تنظيم «باربكيو»، حفلة شواء، أو مسابقة لاختيار «ملكة جمال الكون»!

دفعت هذه النظرة الرجعية والمتخلفة حفنة من المغرر بهم، وبإيعاز من التيار الظلامي، إلى استغلال كارثة احتراق ثم سقوط البالون الطائر في سماء الأقصر، ومصرع 19 شخصاً من جنسيات عدة للمطالبة بإلغاء المهرجان بذريعة أن «موعده لا يتناسب والأيام الصعبة والكئيبة والأجواء الحزينة التي تعيشها المدينة»، وهي الحجة بل المؤامرة الخبيثة التي لم تنطل على أحد، وتشبثت إدارة المهرجان، وعلى رأسها رئيسه سيد فؤاد ومديرته عزة الحسيني، بانطلاق الدورة الثانية في موعدها بالضبط؛ بحيث يُدرك الجميع، وعلى رأسهم المسؤولون في الدولة، وقيادات وزارة الثقافة، أن المهرجانات، ومهرجان الأقصر للسينما الإفريقية على رأسها، ليست معنية بإلهاء الناس أو مهمومة بإحياء «الليالي الملاح» و»جلسات الأنس والفرفشة»، وإنما هي أداة للتثقيف ووسيلة للتغيير ومنبر لتحرير العقول وتحقيق المعادلة المتكافئة بين الخبز والثقافة، وبين المتعة والتفكير، كما تستهدف تبادل الثقافات، أملاً في صياغة أنماط جديدة للحياة والعلاقات بين البشر.

هذه الأهداف مجتمعة يسعى مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية جاهداً إلى تحقيقها فيما تُحسب له رغبته الطموحة في استعادة موقع مصر الجغرافي ودورها الثقافي، وتأكيد هويتها الإفريقية التي نجح «البعض» في محوها جهلاً أو تجاهلاً، كما فرط، ببلادة تصل إلى درجة الخيانة، في العمق الإفريقي، وجعل منه مرتعاً خصباً لألاعيب ومؤامرات ودسائس أجنبية خبيثة ومشبوهة.

يقول القاص والأديب المعروف إدوارد الخراط: «الفن دائماً وثبة في الظلام ومحاولة لاقتحام المجهول»، وأزعم أنه الدور الذي يلعبه مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، الذي لا يمثل وثبة في الظلام أو اقتحاماً للمجهول فحسب، بل هو «سباحة ضد تيار التخلف والرجعية، والداعين إلى تحريم الفن باسم الدين»!