من المستبعد أن يستمر البرنامج الأميركي للطائرات بدون طيار على حاله فترة طويلة، رغم النجاح الذي حققه، فبعد أقل من أسبوع على انتخاب رئيس الوزراء الباكستاني الجديد نواز شريف في 11 مايو، أفادت بعض التقارير أنه أكد لحكومته "أن سياسة الاحتجاج ضد هجمات الطائرات بدون طيار لإرضاء الرأي العام، مع مواصلة العمل في الكواليس للمضي قدماً بضربات مماثلة ما عادت مقبولة". ففي فصل الخريف المقبل، ستنتخب المجالس الإقليمية والوطنية رئيساً جديداً سيكون على الأرجح موالياً لشريف. كذلك سيختار رئيس الوزراء قائداً جديداً للجيش؛ لذلك يمكننا القول إن هؤلاء الرجال لن يسيروا على الأرجح على خطى أسلافهم، ويمنحوا الجهود الأميركية الموسعة لمكافحة الإرهاب موافقتهم السرية.

Ad

بكلمات أخرى، ستُضطر الولايات المتحدة إلى عقد صفقة جديدة بشأن الطائرات بدون طيار مع باكستان خلال السنوات المقبلة، صفقة تأخذ في الاعتبار مخاوف باكستان وأهدافها. وسيعني ذلك على الأرجح أن واشنطن ستواجه ضوابط جديدة في عملياتها المناهضة للإرهاب، ولكن إذا أُعدّ هذا الاتفاق الجديد بدقة وعناية، فقد يثبّت حملة القتل المستهدف هذه الموجهة ضد تنظيم" القاعدة" على أسس سياسية متينة من دون التأثير في فاعليتها.

مع تنامي عدد هجمات الطائرات بدون طيار، صعب إخفاء زيف الموقف الباكستاني الرسمي، فقد اتخذ السياسي المعارض ونجم الكريكت السابق، عمران خان، من انتقاد هذه الهجمات محوراً لحملة حركة الإنصاف الانتخابية في عامَي 2011 و2012. وفي مطلع عام 2012، ندد البرلمان الباكستاني بوضوح بهجمات الطائرات بدون طيار وطالب بوضع حد لها، لكن هذه الخطوة السيادية بالتأكيد أثارت الشكوك حول ادعاءات الولايات المتحدة المتكررة عن أن باكستان "توافق سراً" على حملة الطائرات بدون طيار. لا يملك القادة الباكستانيون الحاليون والمستقبليون، بدءاً من نواز شريف، سبباً ليتورطوا في النفاق الذي مارسه أسلافهم بشأن ضربات الطائرات بدون طيار الأميركية. يتمتع شريف بأسس سياسية أكثر متانة من سلفه. ولكن كما أشار كبار قادته العسكريين، لا يستطيع أن يتفادى العاصفة السياسية التي ستنجم على الأرجح، في حال تبيّن أن الولايات المتحدة تتجاهل سلطته. فلا شك أن إخفاق واشنطن في تبديل سياستها سيدفع إسلام أباد إلى تصعيد احتجاجاتها الدبلوماسية.

شهدنا أخيراً أحد هذه التصعيدات مع طرح باكستان قضيتها ضد الطائرات بدون طيار أمام المجتمع الدولي من خلال الأمم المتحدة.

وهنا ينشأ السؤال: هل تستطيع واشنطن وإسلام أباد التوصل إلى صفقة تعالج المخاوف الباكستانية من دون أن تحرم الولايات المتحدة من هذه الأداة التي تبيّن أنها أكثر فاعلية (من الناحية التكتيكية على الأقل) من أي أداة أخرى استعملتها في حربها ضد الإرهاب؟ باستثناء إنهاء برنامج الطائرات بدون طيار برمته، ما من طريقة تتيح للقادة الباكستانيين ترسيخ سلطتهم السيادية، مؤكدين بذلك مؤهلاتهم الوطنية لحلفائهم وخصومهم السياسيين على حد سواء، غير منح واشنطن إسلام أباد درجة تحكم أكبر في هذا البرنامج، خصوصاً عند اختيار الأهداف.

يعني هذا القيام بما طالب به عدد من القادة الباكستانيين (بمن فيهم الجنرال مشرف) قبل سنوات: وضع الطائرات بدون طيار تحت قيادة باكستانية. ولكن نظراً إلى طبيعة تكنولوجيا هذه الطائرات العالية الحساسية، فضلاً عن واقع أن المسؤولين الأميركيين لا يثقون بقدرة نظرائهم الباكستانيين على نشر الطائرات بطريقة فاعلة للتخلص من كبار القادة الإرهابيين، يبقى هذا الحل مستبعداً في المستقبل القريب.

أما الفكرة الأكثر استبعاداً وغير المنطقية في هذه المرحلة، فتقضي بتعليق برنامج الطائرات بدون طيار الأميركي وإعطاء القوات الباكستانية دور "المنفذ" عند تحديد الأهداف الإرهابية. في هذه الحالة، تشن الطائرات الحربية أو المروحيات أو ربما المدفعية الباكستانية الهجمات معتمدة على المعلومات الاستخباراتية الأميركية لتحديد الأهداف. لكن هذا الحل يشمل مجموعة من المشاكل العملية، بدءاً من الفارق الزمني بين تحديد الهدف وإطلاق النار وصولاً إلى (مرة أخرى) غياب ثقة المسؤولين الأميركيين بقدرة نظرائهم الباكستانيين ورغبتهم في اتخاذ الخطوات الضرورية عند الحصول على تلك المعلومات في المقام الأول.

هناك أيضاً خيار إنشاء سلطة "مزدوجة" على المستوى العملي، ربما من خلال إبلاغ المسؤولين الباكستانيين في الحال أن الطائرات بدون طيار تشن غارة وبتطبيق آلية يرضى بها الطرفان تتيح لإسلام أباد وقف أي عملية أو على الأقل طرحها على المسؤولين في وقت ملائم. طُبّقت مقاربات مزدوجة مماثلة في الماضية، محققةً بعض النجاح. ولكن نظراً إلى عمليات التعاون البالغة التعقيد بين واشنطن وإسلام أباد في السنوات الأخيرة، من الصعب توقع قبول المسؤولين الأميركيين بهذا النوع من الاتفاق، ليس في الوقت الراهن على الأقل. صحيح أن إبلاغ المسؤولين الباكستانيين لحظة شن الغارات يحد من التسريبات غير المرغوب فيها واحتمال تحذير المستهدفين، إلا أن المسؤولين الأميركيين سيخشون حصول المسؤولين الباكستانيين على الكثير من المعلومات عن هذا البرنامج وقدراته. ولكن إن تحسنت الثقة السياسية بين البلدين بمرور الوقت، فقد يشكّل نموذج التعاون هذا حلاً جيداً.

يقوم الخيار الأخير (والتسوية المنطقية الوحيدة راهناً) على حصول واشنطن مسبقاً على موافقة باكستان على عدد من الأهداف ومناطق استهدافها. وهكذا تحتفظ الولايات المتحدة بالسيطرة المطلقة على مهمات الطائرات بدون طيار، وبخلاف المرحلة الأولى من هذا البرنامج، عندما اضطرت الولايات المتحدة إلى الحصول على موافقة مشرف العلنية لقتل نِك محمد، يمكن لهذه العملية أن تمنح صلاحيات شاملة للائحة أهداف أطول بكثير (يتفق عليها الطرفان، هذا إن لم تنشر علانية). في المقابل، يعلن القادة الباكستانيون شروط الاتفاق الجديد، وبالإضافة إلى نظام الموافقة المسبقة هذا، تستطيع واشنطن وإسلام أباد أن تحددا آلية لمراجعة الادعاءات بشأن الخسائر المدنية وتقديم التعويض المناسب، تماماً كما فعلت الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق. ولكن مع إخراج هذا البرنامج من الظل، سيصبح من الضروري نقل صلاحيات تشغيله من وكالة الاستخبارات المركزية إلى وزارة الدفاع، علماً أن إدارة أوباما سبق أن ذكرت أنها ستقدِم على خطوة مماثلة في دول أخرى.

لا شك أن هذه التسوية الأخيرة ستكون مؤلمة لإسلام أباد وواشنطن على حد سواء. فسيُضطر القادة الباكستانيون إلى مصارحة شعبهم بشأن إعطاء الضوء الأخضر لهذه الهجمات. نتيجة لذلك، لن يعود أمامهم أي مجال للإنكار، كما فعل القادة السابقون لحماية أنفسهم من أي عواقب سياسية. وهكذا يُدرَج حزب شريف على اللائحة السوداء لحركة "طالبان" باكستان وغيرها من المجموعات المستهدَفة، التي تمتعت حتى اليوم بعلاقات غامضة نوعاً ما مع السلطة الباكستانية.

لكن المسؤولين في واشنطن أحكم من أن يدعوا العلاقات مع باكستان تتدهور. تواجه الولايات المتحدة تحديات محتملة في باكستان قد تكون أكثر صعوبة من الحرب في أفغانستان أو القتال ضد تنظيم "القاعدة". ستصبح باكستان المسلحة نوويّاً، والتي تواجه تمرداً إسلاميّاً متشدداً، رابع أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان نحو منتصف هذا القرن. إذاً، ستبقى باكستان قوة أساسية، شأنها في ذلك شأن شريف في القريب المنظور. صحيح أن شريف قد لا يكون الرجل الذي تختاره الولايات المتحدة لقيادة باكستان، ولكن من الضروري أن تتعلم واشنطن التفاوض معه.

Daniel Markey