إن أي فصيل بديل في مصر يجب ألا يرتكب خطأ حزب الحرية والعدالة بإقصاء الآخر، وحتى إن فعل، فالأوضاع الاقتصادية لن تسعفه، وسوف يقع تحت الظروف الاقتصادية البائسة نفسها.

Ad

لعل المطلوب من الجميع الانتصار لمصر كل مصر، وليس لطرف دون آخر فيها، فالأوضاع تبدو في غاية الخطورة، من بعدها الاقتصادي، إلى درجة أنها شديدة الحساسية لأي انشقاق سياسي فيها، وعليه، تحتاج مسؤولية النهوض بها وفاقاً سياسياً واسعاً، جداً.

ينمو الاقتصاد المصري بنحو 2 في المئة بينما هو يحتاج إلى أكثر من ضعف هذا المستوى ليخلق فرص عمل جديدة تقلل ضغوط البطالة، والبطالة فيها، رسمياً، بحدود 13.2 في المئة أو ارتفعت بنحو 4.3 في المئة، منذ ثورة يناير 2011 حين كانت نحو 8.9 في المئة، وبطالة الشباب ضمنها نحو 30 في المئة، والحقيقة هي أن أرقام البطالة الحقيقية قد تكون أسوأ من الرسمية.

حجم الموازنة العامة، كمعدل للسنوات الأخيرة، بحدود 80 مليار دولار أميركي، والعجز فيها نحو 27 مليار دولار، أو نحو 33 في المئة من حجمها ونحو 11 في المئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، ونصفها، أو نحو 40 مليار دولار، يذهب لتمويل الرواتب والأجور وتمويل الدعم وأهم مكوناته الوقود، واحتياطي النقد الأجنبي انخفض من مستوى نحو 30 مليار دولار، مع بداية الثورة، إلى نحو 14.9 مليار دولار، حالياً، أي إنه بلغ مرحلة الخطر الشديد، ولا تبدو الأوضاع واعدة بتحسن.

 

تراجع صرف الجنيه

 

وفقد سعر صرف الجنيه المصري نحو ربع قيمته تجاه الدولار، منذ بداية الثورة، أو انخفض من نحو 6 جنيهات مصرية، لكل دولار أميركي، إلى نحو 7.5 جنيهات مصرية، لكل دولار أميركي، في 30 يونيو ويراوح حول الـ7 جنيهات مصرية، حالياً، وأثره على رفع معدلات التضخم والضغط إلى الأدنى على دخول الناس الحقيقية، سيكون نتيجة حتمية.

ومصادر الدعم الرئيسة للاقتصاد المصري أربعة، اثنان قد لا يتأثران كثيراً وهما إيرادات عبور قناة السويس وتحويلات العاملين في الخارج، بينما الاثنان الآخران سوف تصيبهما الأوضاع المتفجرة في مقتل. فالسياحة، التي حققت نمواً بنحو 14.6 في المئة، في الأشهر الخمسة الأول من عام 2012، وهي مصدر مباشر للعملات الأجنبية ومشغل رئيس للنشاط الاقتصادي المرتبط بها، لا يمكن إلا أن تضمحل، مع حال عدم الاستقرار، والاستثمار الأجنبي المباشر كمصدر للنقد الأجنبي، ومعه الاستثمار المحلي كمصدر مشارك لتوليد النشاط الاقتصادي، إلى توقف، وربما إلى هروب في الاتجاه العكسي كلما تردت الأوضاع السياسية. ذلك كله سوف يترجَم مزيداً من ضعف النمو الاقتصادي وعجوزات موازنة وعجوزات خارجية، وأخيراً، عجز عن مواجهة متطلبات الرواتب والدعم بما يعنيه من فقر متزايد ومزيد من البطالة. إنها وصفة خطرة، تحتاج إلى الهدوء كله والتعاون كله، حتى تجتازها مصر، فهي بحكم المتفجرة شديدة القوة والموقوتة، تحتاج متخصصين وتركيزاً شديداً لتفكيكها، في الوقت المناسب.

 

خطأ مرسي

 

لقد أخطأ الرئيس محمد مرسي خطأ جسيماً بمحاولة تحويل دولة الجيش إلى دولة الحزب، يديرها بتفويض سماوي، المرشد فيها هو السلطة العليا، أسوة بالتجربة الإيرانية، ومعها قدم الولاء على الأداء في مناصب الدولة العليا، وساءت الأوضاع الاقتصادية، أكثر مما كانت سيئة.

ورسالة 30 يونيو وصلت، فشرعية صندوق الانتخاب ليست سوى تفويض إدارة محدود ومشروط، ولو ترك الأمر للشرعية السياسية، التي حملها الشارع في 30 يونيو، وهي الشرعية نفسها التي أتت بالرئيس مرسي، بعد ثورة 25 يناير 2011، لصلحت الأمور، ديمقراطياً، بعد بعض الوقت.

وما كان يفترض أن تختصر آلية التغيير السياسي بدعم عسكري في هذا الوقت المبكر، مهما كانت المبررات، ولا أن يقصي الفصيل الآخر وإعلامه، فالإقصاء ليس بديلا ديمقراطيا أو صحيحا للإقصاء. وحفاظاً على مصر، يمكن القول ان أي فصيل بديل لا يجب أن يرتكب خطأ حزب الحرية والعدالة بإقصاء الآخر، وحتى إن فعل، فالأوضاع الاقتصادية لن تسعفه، وسوف يقع تحت الظروف الاقتصادية البائسة، نفسها، بعد مرور بعض الوقت، تشتري له بعض الوقت بعض المنح والودائع ولكنها لا تعالجه، لذلك، يحتاج الجميع في مصر إلى الجميع للمشاركة في المسؤولية من أجل التعافي، أما البديل فهو مخيف في بلد يمثل مركز الثقل العربي والإقليمي، وقد يتحول معظم التسعين مليون إنسان إلى متفجرات موقوتة.