يوم الاثنين الماضي، أوشك داودا سي من بلدة ديابالي في وسط مالي على التحول إلى رجل ثري. فقد حصلت شركته على عقد مربح لبناء أنظمة ريّ وشبكة طرقات، وكان قد وظّف حوالى 1500 عامل لتنفيذ المشروع. لكن منذ يوم الثلاثاء، أصبح داودا سي لاجئاً وما عاد يملك شيئاً إلا الثياب التي يرتديها: «سمعنا طلقات نارية في فترة الظهر تقريباً وعلمنا فوراً أنهم وصلوا». هاجم رجال ملتحون يحملون بنادق كلاشينكوف مبنى الشركة وفككوا شاحنات النقل الجديدة وخرّبوا المكاتب. اختبأ داودا سي وسائقه لفترة ثم هربا.احتاج الرجلان إلى بضعة أيام للوصول إلى مكان آمن في العاصمة باماكو. لم يظن هذا الرجل يوماً أن الإسلاميين من شمال مالي سيصلون إلى ديابالي، لا سيما بعد وصول الفرنسيين إلى البلد مع طائرات «رافال» ومروحيات «غزال» التي تقصف المواكب والملاجئ الإسلامية.
منذ تسعة أشهر، استولى الإسلاميون مع منظمة «أنصار الدين» على الجزء الشمالي كله من مالي حيث أنشأوا نظاماً وحشياً مبنياً على حكم الشريعة. طوال أشهر، نشأ صراع محلي في الصحراء الكبرى. لكن ها قد توسّع الصراع اليوم ليصبح جبهة جديدة في الحرب العالمية على الإرهاب. في الأسابيع الأخيرة، بدأ المجاهدون يحاولون الاستيلاء على بقية أجزاء البلد، ما دفع عشرات الآلاف إلى الهرب من منازلهم.ها قد تدخل الغرب الآن. بطلبٍ من حكومة مالي، بدأت القوات الفرنسية ترد الضربات يوم الجمعة 11 يناير، ووفرت لها «المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا» الدعم.تهديد غرب إفريقياقال رئيس «المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا» ورئيس ساحل العاج الحسن واتارا خلال زيارة له إلى برلين في الأسبوع الماضي: «هذه الحرب تخص جميع الدول المجاورة. انطلاقاً من مالي، يطرح الإسلاميون تهديداً على منطقة غرب إفريقيا كلها». يسود قلق عام من أن تتحول مالي إلى نسخة جديدة من أفغانستان، أي أن تصبح دولة فاشلة يمكن أن يستعملها الإرهابيون كقاعدة لعملياتهم وملجأ آمن لهم.اتضح مدى صحة تلك المخاوف واقتراب التهديدات يوم الأربعاء الماضي، حين هاجم الإسلاميون الذين يتعاونون مع جماعة «أنصار الدين» مصنع غاز في عين أمناس في جنوب الجزائر المجاورة وقد أخذوا مئات الرهائن خلال تلك العملية، بما في ذلك عدد من الأجانب. ثم طالبوا بإنهاء التدخل الفرنسي في مالي وتحرير متطرفَين يحتجزهما الأميركيون وهددوا بشن اعتداءات إضافية.يطرح الإسلاميون في منطقة الساحل تهديداً خطيراً. هم «متحمّسون ومجهّزون ومدرَّبون» بحسب قول وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان.قد تواجه القوات الفرنسية وتلك التابعة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا والجيش المالي الهش صراعاً مطوّلاً إذا بدأ الإسلاميون يستعملون تكتيك العصابات. قال متحدث باسم الإسلاميين مهدداً: «فتحت فرنسا أبواب الجحيم على نفسها».انقطعت منطقة شمال مالي عن العالم الخارجي منذ إطلاق أولى الضربات الجوية. في مدينة قاو في الشمال الشرقي، راقب الصحافي المحلي موموني توريه ما يحصل هناك وشاهد قائداً إسلامياً وهو يقطع الأسلاك المتّصلة بأبراج الهواتف الخلوية. يقول توريه: «يدمّرون روابط الاتصال لمنع السكان المحليين من تقديم المعلومات إلى الفرنسيين».في منطقة قاو، استهدفت أولى القنابل الفرنسية معسكراً إسلامياً وحاجز تفتيش أنشأه الإسلاميون على الطريق المؤدية نحو الجنوب. شعر توريه باهتزاز الأرض تحته حين انفجرت القنابل. يظن أن أول حملة من الاعتداءات الفرنسية قتلت 60 شخصاً على الأقل.خوف غيّر الولاءاتهلّل الشعب بعد تلك الحملة وتوارى الإسلاميون عن الأنظار في الشوارع. خرج الناس من منازلهم مجدداً وراحوا يصغون إلى الموسيقى ويدخنون بعد أن منع الإسلاميون هذين النشاطين. يقول توريه: «الخوف غيّر الولاءات هنا».لا شك في أن الاعتداء الذي أطلقه الحكام الاستعماريون السابقون في مالي لم يفاجئ الإسلاميين الذين كانوا يسيطرون على مدن مثل قاو وكيدال وتمبكتو منذ تسعة أشهر حين بدأت الاعتداءات. خلال تلك الفترة، عمدوا إلى تدمير الآثار التاريخية وعاقبوا خصومهم عبر وسائل الإعدام والضرب بالسوط وبتر الأطراف. لكنهم أخذوا احتياطاتهم أيضاً. يروي سكان قاو أن الإسلاميين حفروا مستودعات ضخمة في نقطة بعيدة من الصحراء وهي كبيرة بما يكفي لإخفاء المركبات في داخلها. يُقال إن تلك المستودعات مليئة بالطعام والأسلحة والذخائر والبنزين، ما يشير إلى أن حملة الإسلاميين لن تنتهي في وقت قريب.وفق فيليب هوغون، خبير في شؤون مالي يعمل في باريس، يمكن طرد الإسلاميين من المدن الكبرى خلال ستة أشهر تقريباً. لكن قد تمر سنوات عدة قبل استعادة السيطرة على المناطق النائية على طول الحدود مع الجزائر والنيجر.بدأ الإسلاميون حملتهم منذ سنة. عشية يوم 16 يناير 2012، نصب المجاهدون كميناً ضد وحدة من الجيش المالي بالقرب من مدينة أجلهوك في شمال شرق مالي، ففاجأوا الجنود حين كانوا نائمين. قُتل أكثر من 80 شخصاً خلال القتال.يخضع الفائزون في تلك المعركة لسلطة رجل له شخصية مثيرة للاهتمام: إنه إياد أغ غالي، الذي ينتمي إلى جماعة «الطوارق». طوال سنوات، عمل كوسيط بين الحكومة في باماكو والجماعة الإثنية الخارجة عن القانون التي حملت السلاح في مناسبات متكررة بهدف كسب استقلالها. كذلك ساعد الحكومة الألمانية على حل أزمة الرهائن في عام 2003. لكن حين تم تهميش أغ غالي سياسياً داخل «الطوارق»، اتجه نحو الإسلام المتطرف. واليوم، تسيطر جماعته «أنصار الدين» على الجزء الشمالي من البلد.جمع أغ غالي الملايين عبر تهريب المخدرات والأسلحة، فضلاً عن ارتكاب عمليات الخطف. اشترى كميات هائلة من الأسلحة بأدنى الأسعار من مخازن نظام القذافي السابق في ليبيا المجاورة غداة الثورة هناك. انضمت جماعة «أنصار الدين» إلى مجاهدين آخرين، بما في ذلك فروع تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي» التي نشطت طوال سنوات في المناطق الصحراوية من الجزائر وليبيا وموريتانيا ومالي.فرصة نجاح معدومةمختار بلمختار الملقّب بـ{الأعور» (وهو لقب حمله هذا المتطرف الجزائري بعد تعرّضه لإصابة حين كان مراهقاً أثناء محاربة السوفيات في أفغانستان) هو أحد أقرب حلفاء أغ غالي ويحمل لقباً آخر، «السيد مارلبورو»، بسبب تورطه في تهريب السجائر وممنوعات أخرى عبر الصحراء الكبرى.بلمختار المسؤول عن عدد من الاعتداءات وعمليات الخطف كان على رأس لائحة المطلوبين في باريس لفترة معينة. تهدد جماعة المجاهدين التي تنتمي إليه بقطع طرقات نقل اليورانيوم في دولة النيجر المجاورة حيث تنقّب فرنسا عن المعادن لصالح مصانع الطاقة النووية الخاصة بها.كان مقاتلو بلمختار (جماعة من 40 رجلاً على الأرجح) هم الذين استولوا على مصنع الغاز في عين أمناس يوم الأربعاء الماضي. رد الجيش الجزائري بشكل فوري وقوي. لكن قُتل العشرات خلال الاعتداء الذي هدف إلى تحرير حوالى 600 رهينة. وحتى قبل انتهاء القتال، حذر الإرهابيون من أنهم يحضّرون اعتداءات أخرى ضد الأجانب في الجزائر. يُقال إن رجال بلمختار حضّروا الاعتداء في شمال مالي حيث كانوا تحت حماية أغ غالي.كانت فرصة تفوّق الجيش المالي على جماعة «أنصار الدين» معدومة. من المعروف أن ظروف هذا الجيش مريعة على المستوى التقني، وتتراجع معنويات الجنود على رغم الجهود الأميركية القديمة لتدريب الجيش المالي على محاربة «القاعدة». تشير وثائق سرية تسرّبت من السفارات الأميركية ونُشرت على موقع «ويكيليكس» إلى أنّ الدبلوماسيين الأميركيين لا يحملون تقديراً كبيراً للجيش المالي في السنوات الأخيرة. تفتقر هذه القوات إلى أبسط التعزيزات، وقد تدمر معظم مركباتها، ويبدو تدريبها ضعيفاً، وتراجعت معنويات الجنود إلى أدنى المستويات. كذلك، لا تملك مالي أي قوات جوية.درّب الخبراء الأميركيون أربع وحدات تتألف كلها من 600 رجل لمحاربة الإرهابيين. لكن سرعان ما ارتدّت تلك التدريبات عكسياً: فقد انشقت ثلاث وحدات منها وانضمت إلى «الطوارق» المتمردين. في نهاية المطاف، ينتمي معظم القادة العسكريين إلى جماعة «الطوارق».أمن ألمانيا على المحك!كان النقيب أمادو سانوغو الذي تدرب في الولايات المتحدة أحد الجنود الذين لم ينشقوا. ولكنه سبّب ضرراً أكبر حين عمد، مع بعض الداعمين له، إلى إسقاط الحكومة في باماكو والإطاحة بالرئيس المنتخَب في شهر مارس الماضي.يواجه ديونكوندا تراوري، الرئيس الموقت الذي ينفذ طلبات سانوغو، مشكلة في إثبات شرعيته حتى الآن. هذا الوضع يعقّد أي جهد دولي لمساعدة باماكو بما أن هذا النوع من الجهود سيرسّخ نفوذ نظام وصل إلى الحكم عن طريق الانقلاب.لكن تحلى تراوري على الأقل بالشجاعة الكافية كي يطلب المساعدة من فرنسا منذ أسبوعين، ذلك على رغم المقاومة التي واجهها على الأرجح من بعض وحدات الجيش. لكن استقبل سكان مالي القوة الاستعمارية السابقة بكل حفاوة، فهللوا للجنود واعتبروهم منقذين. بدأت قوات «المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا» تصل إلى مالي من تشاد ونيجيريا وغانا يوم الأربعاء.سافر رئيس «المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا»، الحسن واتارا، إلى برلين في الأسبوع الماضي لطلب مساعدة إضافية. فقابل المستشارة أنجيلا ميركل، علماً أن دعمها للجهود الفرنسية لا يزال محدوداً وقد اقتصر على توفير طائرتين للنقل. بقي واتارا مهذباً ولكنه صرح لصحيفة «شبيغل» أثناء جلوسه أمام علم بلاده في بذلة رسمية في فندق «أدلون»: «يجب أن تتدخل ألمانيا ويشمل هذا التدخل إرسال الجنود».سعى واتارا طبعاً إلى تبديد مخاوف ألمانيا من أن تتحول مالي إلى نسخة جديدة من أفغانستان وأن تصبح مهمّة لامتناهية وتكون السبب في سقوط ضحايا كثيرين من دون تحقيق تقدم كبير فقال: «لا أرى أي وجه شبه بين الوضعين. لا يحظى الإسلام المتطرف بدعم الشعب في مالي. ثمة عدد صغير من الإرهابيين في مالي وهم أجانب في معظمهم».أكد واتارا أيضاً على عدم وجود أي بلد يدعم المتعصبين سراً في المنطقة كما يحصل مع باكستان وحركة طالبان الأفغانية. لكنّ أهم ما في الأمر من وجهة نظر واتارا هو أنّ الوضع سيصبح كارثياً إذا فشل الحلفاء في هزم الإرهابيين، مؤكداً على أن أمن ألمانيا أصبح على المحك أيضاً في الصحراء الكبرى.
توابل - EXTRA
«أبواب الجحيم»... مالي تفتح جبهة جديدة في الحرب على الإرهاب
26-01-2013
حققت فرنسا نجاحاً مبكراً في معركتها ضد المتطرفين الإسلاميين في شمال مالي. لكن ترتبط الجماعات الإرهابية الصحراوية بعلاقات وثيقة في ما بينها وهي مستعدة لخوض معركة مطوّلة. تشير أزمة الرهائن في الجزائر إلى أن الجبهة الجديدة في الحرب على الإرهاب قد تتحول إلى صراع طويل الأمد. التفاصيل تابعها بول هياسنثي مبن ويان بول من «شبيغل».