سانكلير هي حفيدة بول روزنبيرغ (1881-ا- 1959) الذي رسخ مكانته في تاريخ الفن كتاجر وجامع تحف ومكتشف. في عام 1940، أجبرت الحرب روزنبيرغ وعائلته اليهودية على الهرب من باريس إلى الولايات المتحدة. سرق النازيون مئات اللوحات التي اضطر روزنبيرغ إلى تركها وراءه. وُلدت سانكلير في نيويورك في عام 1948 وأصبحت واحدة من أشهر الصحافيين على شاشات التلفزة. تزوجت من السياسي ورئيس صندوق النقد الدولي السابق دومينيك ستروس- كان منذ عام 1991، لكن انفصل الثنائي في السنة الماضية. نشرت النسخة الألمانية من تاريخها العائلي في 12 فبراير الجاري.

Ad

في فرنسا، أنتِ شخصية تلفزيونية يعرفها الجميع. أنت أيضاً زوجة دومينيك ستروس- كان الذي اتُّهم بفضيحة جنسية وقانونية في نيويورك منذ أقل من سنتين. اليوم، تنشرين كتاباً تعيدين فيه رسم خطوات جدك الذي هرب إلى نيويورك في عام 1940. أليست مفارقة مريرة أن تصل الأحداث الدرامية في تاريخك العائلي إلى نهايتها الآن؟

بدأتُ أعدّ الكتاب عن جدي في عام 2010، قبل أن أواجه ذلك الفصل المؤلم في نيويورك. كنتُ أنوي نشره في خريف عام 2011. حين بدأتُ بإعداد الكتاب، لم أعلم إلى أين سيوصلني.

في مايو 2011 اعتُقل زوجك، الذي كان حينها مدير صندوق النقد الدولي ومرشحاً محتملاً للرئاسة الفرنسية عن الاشتراكيين، بعد ركوبه الطائرة بتهمة اغتصاب خادمة في إحدى الفنادق.

كان الشعور غريباً ويفوق الوصف عند عودتي إلى نيويورك في ظل هذه الظروف. بسبب الظروف المؤلمة، وجدتُ نفسي مُجبرة مجدداً على العيش في المدينة التي وُلدت فيها وأمضيت جزءاً من طفولتي، حيث كنت «أسيرة» في الولايات المتحدة. لا شك في أن هذه القصة تختلف تماماً عن قصة جدي.

لكنها حكاية درامية عن معاناة ومحنة مؤلمة كتلك التي يعيشها أي شخص يتعرض للاضطهاد.

لم أكن مستعدة لأن تصل هذه الجوانب من ذكرياتي التي بدأت في فرنسا إلى نهاية حزينة تجبرني على الإقامة في الولايات المتحدة. ولم أكن مستعدة لذلك التصادم بين صور الماضي وفوضى الواقع. وجدتُ نفسي فجأةً في بيئة مختلفة تماماً عن أجواء المدينة التي عرفتُها في شبابي. كانت نيويورك المدينة التي بدت ساحرة بالنسبة إلي خلال العطلات في طفولتي، وفترة عيد الميلاد، واللعب بالثلج في حديقة «سنترال بارك»، والهرب من المدرسة. في الفترة التي شهدت الأحداث المؤلمة، أصبح المكان مرادفاً فجأةً للعنف والظلم بالنسبة إليّ وإلى المقربين مني. لكني تجاوزت تلك المرحلة الآن.

لكن بالنسبة إلى جدك، كان هذا المكان ملجأً آمناً في عام 1940 ومكاناً وفّر له الحماية من الظلم.

من خلال كتابي، أردتُ أن أسافر بين الماضي والحاضر. كانت الرحلة تبدأ من نيويورك وتعود إليها. ما حصل ليس ذنب المدينة. هل يجب أن أغضب من البلد والمدينة اللذين سمحا لجدَّي باستعادة كرامتهما لأنني واجهت هناك ثلاثة أشهر مريعة حيث أصبحت كرامتي على المحك؟

ما الذي دفعك إلى العودة إلى جذورك مجدداً؟

أفترض أن الأمر متعلق بالنضج والتقدم في السن. بعد عمر الستين، قد نشعر بالحاجة إلى استرجاع الماضي. بعد وفاة والدتي ميشلين منذ خمس سنوات، بدأتُ في مرحلة معينة أبحث في أغراضها، بما في ذلك الأوراق والرسائل وألبومات الصور. كانت تلك الأغراض عبارة عن بقايا عالم مفقود. بعد عام 1940، عملت والدتي كأمينة عامة لمنظمة «فرنسا إلى الأبد»، وهي منظمة سعت إلى كسب تعاطف الأميركيين تجاه «المقاومة» و»فرنسا الحرة». هي احتفظت بجميع الوثائق الخطية بالإضافة إلى صورة للجنرال ديغول مع إهداء منه.

هل أثّر بك هذا الأمر؟

شعرتُ بالذنب أيضاً. في طفولتي كنت دائماً أقرب إلى والدي، من الناحية العاطفية. كان بطلاً حقيقياً في المقاومة. أدين له باسمي. اسمه الحقيقي روبرت شوارتز، لكن بما أن المحتلين الألمان كانوا يعرفون شهرة الضباط والجنود الفرنسيين الذين حاربوا مع ديغول في المنفى، اضطر إلى تغيير شهرته لحماية أفراد عائلته الذين بقوا للعيش في فرنسا. أراد أن يحتفظ بالحرف الأول نفسه، لذا فتح دليل الهاتف في نيويورك على حرف «س» ووجد اسم «سانكلير».

بعد ذلك، بدأتِ البحث عن هذا الجد الذي كان أهم تاجر فني في باريس وأوروبا بين الحربين العالميتين.

كانت ماري لورانسين، مُلهمة الشاعر أبولينير، أول رسامة وقّع معها عقداً حصرياً في عام 1913. ثم أُضيف إلى اللائحة بيكاسو في عام 1918، وبراك في عام 1923، وليجيه في عام 1926، وماتيس في عام 1936. كان معرض روزنبيرغ الذي افتتحه جدي في عام 1910 في شارع «لا بويتي 21» مقصد جميع المهتمين بأعمال الفنانين المبدعين.

بيكاسو

كان بيكاسو طوال حياته المثل الأعلى الدائم بالنسبة إلى بول روزنبيرغ.

نعم، كان جدي يسميه «بيك العزيز» وأطلق بيكاسو على جدي لقب «روزي العزيز». كتب المؤرخ الفني بيار ناهون أن الرسام وصاحب المعرض «صنعا» بعضهما البعض. في خريف عام 1919، أقنعه بول بالانتقال إلى المبنى القائم في جوار المعرض، في شارع رقم 23. منذ تلك المرحلة، أقام بيكاسو وزوجته في طابقين من المبنى.

ماذا عن التقارب الدائم بين الثنائي «بول» و»بيك» اللذين ما كان ينفصلان؟

تقابلا في مدينة بياريتز في صيف عام 1918. كان بيكاسو يحتاج إلى المال ويبحث عن تاجر جديد. وقع بول فوراً أسير عبقرية الرسام. يبدو أنه اعتبر نفسه الأخ الروحي لبيكاسو. كان الأخير يكشف له عن اللوحات الزيتية التي كان يحضّرها عبر نافذة المطبخ في الباحة المقابلة. عند حصول ذلك، كان بيكاسو يقصد المعرض أو كان جدي يذهب لرؤيته. كتب بول 214 رسالة إلى بيكاسو منذ عام 1918 وحتى وفاته.

هل كان بيكاسو يرد عليه؟

نادراً ما كان بيكاسو يكتب. أما الرسائل القليلة التي كتبها، فضاعت خلال الحرب على الأرجح. كان بول يكتب في العادة أثناء سفره أو عطلته في دوفيل، وكان يرسل أحياناً رسالة قصيرة من جارٍ إلى آخر، مضيفاً: «أرجو الرد عبر النافذة». في أحيان أخرى، كان يتذمر إذا لم يرسل له بيكاسو التحف المطلوبة، فيكتب: «ذهبتَ من دون إعطائي النقش الملون. أنت مريع!».

يظن الجميع أن العلاقة بين الفنان وتاجر التحف تكون متوترة.

لكن لم يتم رصد ذلك النوع من التوتر في هذه العلاقة. في ما يخص جدي، كان الانبهار الشعور الطاغي لديه، فقد أدرك أن الفنان العظيم يحتاج إلى الأمان المادي كي يتمكن من التركيز. تشير فواتير قديمة إلى أنه دفع لبيكاسو 50 ألف فرنك مقابل لوحة كبيرة في السنوات الأولى، و12 ألف فرنك مقابل لوحة مائية. لا تتغير قيمة تلك اللوحات حين تتحول إلى عملة اليورو اليوم. ثم في أكتوبر 1923، ضاعف بيكاسو أسعاره واضطر جدي لتقبل ذلك في مطلق الأحوال. لكنه قال لاحقاً إنه يريد تقبيل بيكاسو على خده الأول وعضه على الخد الآخر.

إنه تفاعل غريب. كان الرجلان يتمتعان بشخصيتين متناقضتين بالكامل.

كان بول يطلب أحياناً 100 صورة دفعةً واحدة من بيكاسو، كما يفعل صاحب دار الأزياء حين يشتري مجموعته الجديدة. ولكنه كان يرحب بأي تغيير في الأسلوب لعلمه أنه يتعامل مع أحد أعظم الفنانين المعاصرين، فكان بيكاسو يقلب جميع القواعد ويتجاوز الحدود دوماً.

أظن أن إعجاب بو ببيكاسو كان يتعلق أيضاً بعقده الخاصة، فهو لم يكن من النوع الإبداعي ولكنه كان يحب أن يكون كذلك.

تطور ذلك التقارب لدرجة أنّ بيكاسو قرر في عام 1918 رسم لوحة للسيدة روزنبيرغ وبناتها، أي جدتك ووالدتها، وهي اللوحة التي يعرضها متحف بيكاسو في باريس الآن.

قدّمتُها للمتحف بعد وفاة والدتي كطريقة لدفع الضرائب المستحقة عن الميراث. يمكن فعل ذلك في فرنسا. كنت أستطيع بيعها في الولايات المتحدة مقابل أموال طائلة، لكني أشعر بأنها تنتمي إلى هذا المكان، في باريس.

هل تحملين أي ذكريات شخصية عن بيكاسو؟

أتذكر نظرته العميقة أكثر من أي شيء آخر. حين كنا نزوره في منزله في موجان، انبهرتُ من انتشار الفوضى وبقع الطلاء على أرضية الباركيه، وكانت هذه الأمور كلها ممنوعة في منزلنا. كان يستعمل إحدى لوحاته كلوح خلفي لسريره، يسندها إلى الجدار مع توجيه اللوحة الزيتية نحو الأمام، وكان يسند الوسائد مقابل الإطار الخارجي. حين يبيع تلك اللوحة، كان يستعمل لوحة أخرى بكل بساطة. أتذكر أيضاً قصة طريفة حين أفسدتُ فرصتي في جعل بيكاسو يرسم لوحة خاصة بي. كنتُ في الرابعة عشرة من عمري واقترح بيكاسو على والدتي أن يرسمني، قائلاً: «أتصورها مع عيون في كل مكان!». شعرتُ بالخوف وهربتُ وأنا أبكي، وكنت مصممة على عدم السماح لسارق الوجوه برسمي. كنت أخشى أن يرسمني بوجه «مشوّه» مثلما ظهرت حبيبته دورا مار في لوحات لم أحبها مطلقاً. يمكن القول إنني لم أرث الحس الفني عن جدي.

هل تعلمين لماذا بقي بيكاسو في باريس خلال الحرب؟ في نهاية المطاف، كان مهدداً باعتباره خصماً لفرانكو وجمهورياً إسبانياً رسم لوحة «غرنيكا» المعادية للحرب.

كانوا يراقبونه عن كثب، لكن لم يجرؤ الألمان على فعل شيء. لم يقدم بيكاسو أي تنازلات، على عكس كوكتو أو ديران مثلاً. في إحدى المناسبات، قيل إن الجنود الألمان حضروا إلى الاستوديو الخاص به وسألوه عن لوحة «غرنيكا»: «أنت رسمتها؟». فأجاب: «لا أنتم رسمتوها!». إنه موقف يفوق الوصف. الرسامون الذين بقوا في باريس لم يكونوا أبطالاً في المقاومة ولكنهم لم يكونوا متآمرين أيضاً. رفض براك بشكل قاطع تصميم شعار للمارشال بيتان لصالح النظام الفيشي.

فرضت الحرب أربع سنوات من الصمت بين جدك وبيكاسو.

كان يصعب تجديد تلك العلاقة الوثيقة بعد تلك المرحلة. بعد عام 1945، كان بول يقابل بيكاسو مرة في السنة، في كوت دازور خلال الصيف. حين انتهت الحرب، استأنف بيكاسو علاقته مع دانيال هنري كانويلير، تاجر فني آخر سطع نجمه بين الحربين، وذلك بعدما انقطعت علاقتهما في عام 1914، ثم اهتم كانويلير ببيكاسو حتى وفاته في عام 1973.

ما الذي تبقى لك من مجموعة جدك؟

كان قد شحن عدداً من اللوحات إلى لندن ونيويورك قبل عام 1940، وقد استعملها كركيزة لمعرضه الجديد في مانهاتن. حين هربت العائلة من أوروبا، بقيت 400 صورة تقريباً في فرنسا ثم سُرقت. من بين تلك المجموعة، لا تزال 60 صورة مختفية حتى هذا اليوم. لكن تمكن جدي من استعادة البقية واحدة تلو الأخرى. على عكس جميع الشائعات المتداولة، أملك أربع لوحات فقط بقيت لي من أملاك والدتي.

عن أي لوحات تتكلمين؟

لا يمكنني الإفصاح عن ذلك. إنه أمر خاص.

تملكين أيضاً ثروة كبيرة من عقارات جدك.

سبق وقلتُ إنني ترددت دوماً في اعتبار نفسي وريثة بمعنى الكلمة. تمكن جدي من عيش حياة ميسورة. لكني أظن أنه بقي ناقماً على الحياة، فقد كان شخصاً دائم التشاؤم وكان يشكك دوماً بمعنى الوجود. عانى عقدة الذنب وشعر بالندم لأنه تجنب أهوال الحرب المريعة في أوروبا، فقد أُصيب أعضاء ذلك الجيل بإعاقات مزمنة سببها الحرب.

حين وقفتِ إلى جانب ستروس- كان في نيويورك منذ سنتين، كان العالم أجمع ينظر إليك. هل خلّف ذلك الموقف مشاعر بغض في داخلك ورفضاً لتقبل مصيرك؟

شعرتُ بأنني مسجونة، فقد كنتُ مع زوجي تحت الإقامة الجبرية ووقف 350 صحافياً في الخارج وكأنهم أرادوا اصطيادنا.

أُسقطت التهم الموجهة ضد زوجك في نهاية المطاف.

نظام القضاء الأميركي وحشي. لكن حين يرتكب الأخطاء، يعترف بها صراحةً. يتصرف النظام الفرنسي بحذر أكبر، لكن لا تنتهي المحاكمات أبداً. أصبحت تلك التجربة كلها من الماضي الآن وقد تعاملتُ معها على جميع المستويات، شخصياً وجماعياً. نقطة على السطر. انتهى الموضوع.

بما أنك صحافية، هل ستكتبين عن الموضوع يوماً؟

ربما. لكن سبق وقلتُ إن الموضوع شائك. يمكن أن أفعل ذلك، لكني لن أفعل.