كي يجعل لقصته جاذبية أكثر كان هادي العتاك حريصاً على إيراد التفاصيل الواقعية. وهو يتذكر هذه التفاصيل كلها ويوردها في كل مرة يروي فيها أحداث القصة التي حدثت معه. ها هو في مقهى عزيز المصري على التخت الذي في الزاوية الملاصقة لزجاج واجهة المقهى، يجلس ويمسح على شاربيه ولحيته المفرقة، ثم يطرق بالملعقة الصغيرة بقوة في قعر استكان الشاي ويرشف رشفتين قبل أن يبدأ بسرد الحكاية من جديد، وهذه المرة على شرف بضعة ضيوف جدد أغراهم عزيز المصري بسماع حكايات وأكاذيب هادي العتاك.كان الضيوف؛ صحافية ألمانية شقراء ضامرة ترتدي نظارة طبية سميكة تعلو انفاً دقيقاً وشفتين رفيعتين تجلس مع مترجمها العراقي الشاب ومصور فلسطيني بكاميرا محمولة على التخت المقابل لهادي العتاك بالإضافة الى صحافي شاب أسمر البشرة هو محمود السوادي القادم من مدينة الِعْماره جنوب العراق والمقيم حالياً في فندق {العروبة} العائد لأبي أنمار.
كانت الصحافية الألمانية ترافق محمود السوادي في يوم عمل معتاد من أجل إعداد فيلم وثائقي عن عمل الصحافيين العراقيين داخل بغداد. تصوره وهو يتجول ويجمع مادته من الشارع، مع تعليقات منه على الأحداث والمصاعب التي يواجهها، ولم تكن تخطط لسماع حكاية طويلة ومعقدة يرويها جامع أنتيكات جاحظ العينين يرتدي ملابس رثة ومبقعة بحرائق السجائر. خصوصاً وأن خروجها إلى شوارع بغداد بهيئتها الملفتة لا يخلو من مجازفة، لذلك لم تفتح الكاميرا واكتفت بالإنصات ريثما تكمل شرب استكان الشاي، تلتفت كل حين الى مترجمها العراقي فيصرف كلاماً كثيراً لتوضيح ما يقوله العتاك.لم تصل إلى نهاية الحكاية. كان الجو ربيعياً دافئاً، وتفضل صرف المتبقي من نهارها في استنشاق هواء نقي، وعليها، إضافة الى ذلك، العودة الى مكتب الخدمات الإعلامية في فندق الشيراتون من أجل تفريغ اشرطة التسجيل الذي عملته مع محمود السوادي خلال نهار اليوم.قالت لمحمود وهما يخرجان من المقهى، وقبل أن تودعه:هذا يروي فلماً... انه يقتبس من فلم شهير لروبرت دي نيرو.نعم.. هو يشاهد أفلاماً كثيرة على ما يبدو.. إنه شخص مشهور في المنطقة.كان عليه أن يذهب إلى هوليوود إذن.قالت ضاحكة قبل أن تركب سيارة البروتون البيضاء العائدة للمترجم.لم يكن الأمر مزعجاً لهادي العتاك. هناك من يغادر قاعة السينما في منتصف الفيلم. الأمر عادي جداً.أين وصلنا.قال هادي وهو يرى محمود السوادي يعود ليجلس في التخت المقابل له. توقف عزيز المصري وهو يحمل استكانات الشاي الفارغة في يده وأفرد ابتسامة عريضة منتظراً أن يشرع العتاك في حكايته.لقد وصلنا إلى الانفجار.قال عزيز المصري.الانفجار الأول لو الثاني؟سأل العتاك.الأول... في ساحة الطيران.قال محمود كي يجعله يستأنف الحكاية، منتظراً أن يقع في تناقض ما، فينسى مثلاً بعض التفاصيل أو يحرّفها، حتى يفضح نفسه بنفسه. يسمع محمود الحكاية للمرة الثانية أو الثالثة من أجل هذا فحسب.كان الانفجار فظيعاً. نظر هادي إلى عزيز كي يساعده في التأكيد. لقد خرج هادي راكضاً من المقهى هنا. كان يأكل الباقلاء بالدهن التي يصنعها علي السيد في المحل المجاور ويفطر بها هادي كل صباح. ارتطم في الطريق بأجساد الهاربين من الانفجار. وغزا أنفه الدخان من بعيد، دخان الانفجار واحتراق بلاستيك و}كشنات} السيارات وشواء الأجساد. رائحة لن تشم مثلها في حياتك. وتبقى تتذكرها ما حييت.كان الجو غائماً ينبئ بمطر غزير والعمال يصطفون بإعداد كبيرة على الرصيف المقابل لكنيسة الأرمن البيضاء الفخمة ذات المنائر المضلعة والمخروطية بصلبانها السميكة. ينظرون إلى الكنيسة الصامتة ويدخنون ويثرثرون أو يشربون الشاي مع الكعك عند بسطات باعة الشاي المتناثرين على الرصيف العريض، أو يأكلون الشلغم أو الباقلاء في العربات المجاورة لهم. يترقبون وقوف سيارة تطلب عمالاً بأجرة يومية، أو أسطوات للبناء أو التهديم. وعلى مقربة من ذات الرصيف تقف باصات الكيا أو الكوستر وهي تنادي على خطوطها للكرادة والجامعة التكنولوجية، وفي الرصيف المقابل أشياء مشابهة؛ سيارات وبسطات لباعة سجائر وحلويات وملابس داخلية وأشياء كثيرة. وقفت سيارة دفع رباعي رصاصية اللون، فنهض أغلب العمال الجالسين على الرصيف، وحين اقترب بعضهم منها انفجرت بقوة. هذه اللحظة بالذات لم يكن هناك من هو قادر على تحديدها. الأمر جرى في أجزاء من الثواني؛ الذين لم يصابوا بمكروه، بسبب بعدهم عن مكان الحادث، أو لأنهم تغطوا بأجساد الآخرين أو كانوا خلف بدن سيارات واقفة أو لأنهم كانوا في أحد الأزقة وفاجأهم الانفجار قبل أن يخرجوا إلى الشارع، هؤلاء كلهم وغيرهم، من العاملين في مكاتب تجارية في العمارة المجاورة لكنيسة الأرمن، وبعض سائقي السيارات البعيدة، كلهم انتبهوا إلى الانفجار في اللحظة التي غدا فيها كتلةً من اللهب والدخان تأكل السيارات وأجساد البشر المحيطين بها، وتقطع بعض أسلاك الكهرباء وربما قتلت عدداً من الطيور والعصافير، مع تناثر الزجاج وتخسف الأبواب وتصدع جدران البيوت القريبة وتداعي بعض السقوف القديمة في حي البتاويين، وأضرار أخرى غير منظورة انبثقت كلها في وقت واحد ولحظة واحدة.كان هادي يراقب المشهد بعد همود الصوت وارتفاع غيمة الدخان الكبيرة التي ولّدها الانفجار وبقاء خيوط دخانية سوداء ترتفع من السيارات مع ألسنة اللهب وتناثر أجزاء صغيرة محترقة أيضاً على الأرصفة. جاءت سيارات الشرطة بسرعة وطوقت المكان. كان هناك جرحى يئنون، والكثير من الأجساد النائمة أو المتحاضنة والمكومة فوق بعضها على الرصيف وقد تغطت بمزيج من اللونين الأحمر والأسود.يؤكد هادي العتاك انه، حين وصل إلى المكان، ظل واقفاً عند ركن محال بيع أدوات بناء وعدد يدوية يراقب المشهد بهدوء تام. كان يدخّن. أشعل سيجارة وبدأ يدخّن، وكأنه يحاول طرد روائح الدخان العجيب. كانت صورته كشرير غير مبالٍ تسعده، وينتظر، بسببها، ردة فعل معينة في وجوه من يستمعون إليه.جاءت سيارات الإسعاف وحملت الجرحى والقتلى، ثم جاءت سيارات الإطفاء وأطفأت الحرائق في السيارات ثم سحبتها سيارات قطر المركبات نوع دوج إلى مكان غير معلوم، واستمرت خراطيم مياه الاطفائية في غسل المكان من الدماء والرماد. ظل هادي يراقب المشهد بتركيز شديد. كان يبحث عن شيء ما وسط مهرجان الخراب والدمار هذا. وبعد أن تأكد من مشاهدته، رما سيجارته على الأرض وانطلق مسرعاً ليلتقطه من الأرض قبل أن تدفعه المياه القوية لخراطيم الاطفاء الى فتحة المنهول في الرصيف. رفعه ولفه بكيس الجنفاص وطواه تحت ابطه وغادر مسرعاً.وصل إلى بيته قبل أن تبدأ السماء زختها المطرية. عبر أرضية الحوش المخلعة بخطوات كبيرة ثم دخل إلى غرفته ووضع كيس الجنفاص المطوي على السرير، وظل يتابع صوت الصفير في أنفه وصدره بسبب أنفاسه المتسارعة. نظر إلى كيس الجنفاص المطوي، وقرّب يده منه ثم ألغى الفكرة أو أجّلها قليلاً، مفضلاً الإنصات لصوت رشقات المطر التي بدأت تنزل بخجل ثم تتسارع بعدها بلحظات وتتحول إلى زخات كثيفة غاسلة الحوش والزقاق والشوارع وساحة الطيران وآثار جميع الحوادث المؤلمة التي حصلت في العاصمة خلال هذا النهار.دخل إلى {بيته}. و{بيته} هذا وصف مبالغ فيه قليلاً. يعرف الكثيرون، وبالذات عزيز المصري، هذا البيت جيداً، فعزيز قبل زواجه وتركه ليوميات العبث، كان يجلس مع هادي على مائدة واحدة في {بيته} يسكران حتى ساعة متأخرة، وربما وجد عنده واحدة أو اثنتين من مومسات زقاق خمسة، فتحلو السهرة أكثر. وهادي يصرف من دون حساب وينفق كل أمواله على متعه الشخصية.إنه ليس بيته، وهو ليس بيتاً على وجه الدقة. فأغلب ما فيه مهدم، وليس هناك سوى غرفة في العمق ذات سقف متصدع حوّلها هادي العتاك مع زميل له اسمه ناهم عبدكي قبل ثلاث سنوات تقريباً الى مقرّ لهما.الكثيرون في الحي يعرفون هادي العتاك وناهم عبدكي قبل هذا بسنوات. كانا يمران بعربة يجرها حصان لشراء الأغراض المستعملة والقدور والأجهزة الكهربائية المعطلة. يقفان صباحاً بجوار مقهى عزيز المصري لتناول الفطور وشرب الشاي قبل إنجاز جولة واسعة في حي البتاويين وحي أبو نواس المقابل له على الضفة الثانية من شارع السعدون، ثم يتجهان بعربة الحصان العائدة لناهم عبدكي إلى مناطق أخرى ويصلان إلى الكرادة ويمران في أزقتها، ثم يختفيان.بعد الاحتلال وشيوع الفوضى شاهد الجميع كيف عمل هادي وناهم على إعادة ترميم {الخرابة اليهودية} كما كانت تسمى، رغم أنهم لم يروا فيها أي شيء يهودي، لا شمعدانات ولا نجمات سداسية ولا حروف عبرية. أعاد هادي بناء السياج الخارجي للبيت من ذات المواد الموجودة، وثبت الباب الخشبي الكبير الذي كان مغطى بركام الطابوق والطين. أزاح الأحجار عن الحوش ورمم الغرفة السليمة الوحيدة وترك الجدران النصفية والسقوف المتهاوية للغرف الباقية على حالها. كان هناك جدار سليم مع شباك لغرفة الطابق الثاني فوق غرفة هادي يهدد الواقف في الحوش بالانهيار نحوه ودفنه حياً، ولكن هذا الجدار لم يسقط أبداً، وأدرك سكان الحي لاحقاً أن هادي وصديقه ناهم باتا من سكان الحي. حتى فرج الدلال ذو الشهوة المفتوحة للاستيلاء على بيوت الأموال المجمّدة التي تركها أهلها، لم يكترث لما فعله العتاك. وظل المكان بالنسبة له مجرد {خرابة يهودية} كما هو شأنها دائماً.من أين جاء هذان الرجلان؟ لم يتوقف أحد ما كثيراً أمام هذا السؤال، فالحي يعج بالغرباء الذين تراكموا فوق بعضهم البعض عبر عقود طويلة، ولا يستطيع أحد أن يؤكد أنه من السكان الأصليين هنا. بعد سنة أو سنتين تزوج ناهم وأجر بيتاً داخل البتاويين، وترك الإقامة مع هادي، رغم أنهما ظلا يعملان سوية على عربة الحصان.كان ناهم أصغر من هادي، تجاوز منتصف الثلاثين من عمره، ويمكن الافتراض أنه مع هادي مثل الأب وابنه. ولكنهما لا يتشابهان في المظهر. ناهم ذو رأس صغير وأذنين كبيرتين، مع فروة رأس كثيفة وسرحة ولكنها مثل الأسلاك الخشنة، وحاجبين كثيفين شبه متصلين. وكان هادي يتندر عليه بقوله:لو صار عمرك 120 سنة فلن يسقط شعر رأسك أبداً.
توابل - حبر و ورق
فرانكشتاين في بغداد
21-09-2013