حكمت المحكمة الدستورية في إبطالها لمجلسي 2012 الأول والثاني حكمين مهمين قلّصا السلطات "غير الديمقراطية" للسلطة التنفيذية، الأول جاء بإبطال مجلس 2012 الأول، وهو الحكم الذي قلص مفهوم "أعمال السيادة"، وهو مفهوم سلطوي انتهك، لسنوات، سيادة الدستور وسلب حق السلطة القضائية في مراقبة بعض أعمال السلطة التنفيذية، أما الحكم الثاني فأبطل مجلس 2012 الثاني، وبسط سلطة المحكمة الدستورية على مراسيم الضرورة، وأكد أحقيتها في الرقابة عليها بالحكم بعدم دستورية مرسوم الضرورة الخاص بإنشاء اللجنة الوطنية للانتخابات. وهو الأمر الذي يدل على وجود قوانين "غير دستورية" استخدمتها الحكومة سنوات في تفردها بالقرار، ولكن ذلك أيضاً لا يعني أن القانون إذا كان "دستورياً" أن يكون بالضرورة ديمقراطياً، فهناك الكثير من القوانين "غير الديمقراطية" التي لا تزال الحكومة تتمتع من خلالها بصلاحيات مطلقة، لاسيما ما يتعلق بمفهوم الفصل بين السلطات وهو ركيزة أساسية لتطبيق الديمقراطية.

Ad

نعم هما سابقتان قضائيتان تحسبان للمحكمة الدستورية، لكن هذا لا يمنع نقد التبريرات السياسية التي ساقتها المحكمة في حكمها بسلامة مرسوم الضرورة الخاص بتعديل قانون الدوائر الانتخابية، لأن الصوت الواحد، حسب رأيها، معمول به في الدول الديمقراطية، وهو تبرير في غير محله، لأن نسبة تمثيل "الحزب" في تلك الدول لا يمكن أن تتدنى، كما هو حاصل في الكويت، إلى تمثيل "نائب" للأمة بأربعة أعشار من المئة.

ولم تكن أيضاً المحكمة موفقة في تبريرها لسلامة مرسوم الصوت الواحد بالحفاظ على "الوحدة الوطنية" بينما أحدث هذا المرسوم (الذي انتهك مفهوم سيادة الأمة) احتقاناً سياسياً وانقساماً مجتمعياً خطيراً. كما أن المحكمة كما يقول الأستاذ حسن العيسى "لم تضع معياراً لحالة الضرورة يقيد السلطة التنفيذية في إصدار تلك المراسيم، بل تركت الأمور مطاطة وعائمة تسبح في تيار السياسة".

الأزمة السياسية في الكويت تحتاج إلى خطوات إصلاحية جذرية باتجاه دمقرطة النظام والمؤسسات والمجتمع، لا تختزل في النظام الانتخابي ولا تنتهي بأحكام المحكمة الدستورية، بل تبدأ بالتحول إلى الحكم الديمقراطي، فوجود انتخابات ومجلس أمة ودستور ومحكمة دستورية لا يعني أن الحكم في الكويت ديمقراطي. فالدستور الديمقراطي يضمن الحقوق والحريات العامة ويقيد السلطات الثلاث، ويمنع تعدي أي منها على ضمانات الحقوق والحريات، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الفصل بين السلطات ومراقبة كل سلطة على الأخرى لمنع استبداد وإساءة استعمال إحداها للسلطة.

وهل هناك ديمقراطية في غياب مفاهيم تداول السلطة والتعددية الحزبية وحرية التعبير والرأي والاعتقاد؟ وهي مبادئ أساسية للديمقراطية لا تطبق في الكويت، فمشاركة الحكومة غير المنتخبة بكل ثقلها في السلطة التشريعية، يجعل منها الحزب الأكبر المتفرد والمحتكر للقرار مهما تغير النظام الانتخابي. وهل يمكن أن تعيش الديمقراطية بغير مناخ الحرية بكل أشكالها السياسية والاجتماعية والعلمية والثقافية؟ وهل يمكن أن نسميها ديمقراطية في حين يتم سحق حقوق الإنسان والأقليات والفئات المهمشة؟!

الصراع الحقيقي اليوم هو صراع الحرية مع الاستبداد بكل أنواعه، فالحرية هي جوهر الديمقراطية وهدفها وغايتها. وأي توجه يحيد عنها يصبح استبداداً وتسلطاً يقتل كل معنى للديمقراطية مهما رُفعت شعاراتها. فلا ديمقراطية بدون مبادئ سيادة الشعب في الحكومة والبرلمان والقضاء، ودستور ديمقراطي، ومراقبة مباشرة للمحكمة الدستورية على دستورية القوانين، واستقلال للسلطات والقضاء، وحياد الدولة تجاه مختلف الأديان والمذاهب والتوجهات والمساواة أمام القانون، وضمانات حقوق الإنسان والأقليات والحريات العامة وتعددية سياسية وحرية دينية وثقافية، ونظام انتخابي يخضع لمعايير عادلة وانتخابات نزيهة تُراقب من قبل لجنة انتخابية مستقلة وذات كفاءة، واقتصاد محفز للإنتاج وضامن للعدالة الاجتماعية، ومعالجة للقصور التشريعي في نواحي الإصلاح ومكافحة الفساد واستغلال السلطة، ومجتمع مدني حر ومستقل، وإعلام حر ونظام تعليمي يكرس التفكير النقدي الحر.

وكما أن للديمقراطية أدوات وآليات لها أيضاً مضامين وفلسفة لا تترسخ إلا بمفهوم الحرية. نعم هو صراع مضنٍ وطريق طويل، لكن لا طريق آمناً إلا بخوضه.