آلام

Ad

كأنني كنت هنا، أو كأنني أتذكر حلم البارحة.

من قاع المدينة يأتي الغريق وعلى معصمه بقعة من الضوء.

هنا ستنطفئ آخر الأنفاس، كما تنطفئ عين سمكة مرمية على الرمل، الإشارة حاسمة هذه المرة، أنا من سيوقف العاصفة حتى تهدأ عائلة الماضي، وتنفك عن الأسير موجة الآلام.

 حياة واحدة

بارد وثلجي هذا الصباح، لكن من النافذة أسمع الطائر الذي يغني كأن الربيع آتٍ على محفة، ماذا تقول للطبيعة؟ ماذا تقول لهذا البياض النائم فوق أرفف الكون؟ هناك حياة واحدة لكن السلالم كثيرة. مع ذلك لن أغادر السرير، لن أفتح الباب، غرفتي مليئة بالعواصف.

 باب مغلق

تهربين من العائلة، لأنكِ خائفةٌ مِنْ قِطارِ الأيام.

الأمثالُ قويَّةٌ، لكنها بلا آلهة. يكفي أن يرفع الزمَنُ عَيناً واحدةً لينظرَ من خلف الزجاج: لن تصنعي بهذا حياة ولا موتاً، لن تصنعي سَاحة، تمثالاً فوق السَّاحَةِ، غُصناً صَغيراً تحت غيوم نيدالا.

أنتِ امرأةٌ بَرِّيةٌ ويُمكنكِ هذه الليلة أن تكوني ضيفة الثلج والغابات... أن تسمعي، وأنت واقفة فوق الجسر، صرخة إدوارد مونك، قويَّةً، واضحةً، لكي تعرفي أنَّ الحقيقة بابٌ مُغلق.

لهذا لن ينظر أحد إلى جمالكِ العابر فوق البحيرة.  

  مصائر لا تنتهي

        إلى جليل حيدر

الثانية عشرة زوالاً، في ظهيرة صيفية، سماؤها متوجة بالغيوم، في حانة سكوير سايد، هنا في مدينة مالمو.

عندما تضيع الأحجار الثمينة بين أقدام المهاجرين، وتعبر الصيحة أليمة فوق ذُرى الغابات.  

عندما تزمجر الريحُ أمام عري العالم.

هنا تنفتح نافذة الكلام، حنفية صدئة صوتها يتردد بين الأروقة. هناك شخص ينصت إلى بلد بعيد، مريض يسمع ارتطام الخشب بحافة النهر، ظلال وإشارات من رجلٍ يدخّن غليوناً كأنه أضاع البوصلة في الطريق إلى الفردوس.  

شلال يتدفق من عين الساحر، الحياة مركب لمرثيّات الوداع، هذا ما يظهر في المرآة المقوّسة.

لن تمضي اللحظة حتى يطير الحمامُ بأبهة ملكيّة في ساحة المعجزة، حيث الوجوه حائرة أو مضاءة بقناديل الغضب. يتجمّع الألم فوق منحنى الأفق ساحباً فجر الوليمة إلى أرضٍ أُخرى، هنا دائماً هنا في أبدّية تحبسُ النظرة أنفاسَها بحثاً عن أختها العمياء.

هنا في حانة سكوير سايد، يحدث أحياناً أن يشرّف المكان عدد قليل من الزبائن بجمال يُشبه الموت:

المغنية الصلعاء مثلاً، أو غودو الذي انتظرناه طويلاً ولم يأت، لكنه أتى في هذه الظهيرة ليخبرنا أنه في حياة سابقة كان عتّالاً في مَعمل البراءة وقد تجلى الآن في هيئة الملاك الحارس، الشقراء  باربرا تفتح ساقيها للنادل، مشيرة إلى زهرة الآلهة: قطفها اللعين ابن فضلان.

وهناك رجل يفكر بالعودة لكن إلى أين؟

أين طرف السلسلة، أين مقبض الباب؟

ورغم أن الضّفاف ليست بعيدة لمن يرغب في موجة أو عُشبة في آخر الليل، فإن صوت القدر هو ذاتُه يتكرر مثل بندول الساعة ليجمع الأضواء والرغبات والمصائر التي لا تنتهي.