إذا تبين أن الشعب يدعم بقوة انقلاباً عسكرياً مميتاً وعنيفاً، فلا نغالي على الأرجح إن وصفناه بالمتخلف، والمتعطش للدم، والعاجز عن تبني الديمقراطية، لكن هذا ينطبق على الشعب المصري في مرحلة تنتقل فيها مصر من حماسة ثورة عام 2011 إلى دولة بوليسية مناهضة للثورة يفرضها الجيش.عُزل أول رئيس مصري منتخَب، محمد مرسي، من السلطة واعتُقل، وقتلت قوى الأمن بعنف ما يفوق الألف من داعمي جماعة "الإخوان المسلمين" في غضون أسبوع واحد، كذلك اعتقلت عدداً مماثلاً منهم، بمن فيهم ثلاثة من كبار قادة هذه الجماعة، بالإضافة إلى ذلك، أُقفلت وسائل إعلام مصرية أو سيطر عليها الجيش، وأُعلن قانون الطوارئ في البلاد.
ولكن ماذا يدفع هذا العدد الكبير من المصريين إلى التهليل للجيش في حالة مماثلة؟ من المنافي للمنطق القول، كما يدعي البعض، إن الأغلبية كانت تنتظر الفرصة الملائمة لتعيد النظام القديمة إلى السلطة. فلو كان الوضع كذلك، فلمَ لم يصوتوا لرجل النظام السابق أحمد شفيق خلال الانتخابات الرئاسية عام 2012؟ أخبرنا ناخبون من خارج قاعدة "الإخوان المسلمين" آنذاك أنهم يدعمون مرسي لأنه الخيار الأفضل. ساورتهم بعض المخاوف والشكوك بالتأكيد، إلا أن المصريين عموماً منحوا هذه الجماعة فرصة لتبرهن صدقها وفاعليتها.لكن "الإخوان المسلمين" بددوا هذه الفرصة، فأخفقت هذه الجماعة في الحكم بالإجماع والعمل لتوحيد البلاد، فأشعل سعيها إلى السيطرة على الحكم وسن دستور لا يمثل جميع الفئات (جرت الموافقة عليه في استفتاء شعبي كانت المشاركة فيه متدنية على نحو معبر) التظاهرات، التي أرسلت الجماعة قوى الأمن لقمعها لأنها اعتبرت هذه الخطوات بعد الثورة خيانة كبيرة. وتشير "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" إلى أن استخدام الشرطة التعذيب والعنف استمر خلال عهد مرسي، تماماً كما كان خلال العهد البغيض للرئيس حسني مبارك المخلوع.بالإضافة إلى ذلك، ازدادت الإضرابات خلال عهد مرسي، خصوصاً بعدما استنتج عمال المصانع والموظفون العامون على حد سواء أن جماعة "الإخوان المسلمين" ليست أفضل من مبارك في تعاطيها مع حقوق العمال: فكثُرت تظاهرات الاحتجاج (التي فُرقت بعنف)، منددة باستهداف الاتحادات التجارية وسوء الإدارة والفساد، فضلاً عن غياب الحد الأدنى للأجور رغم تفاقم أسعار الطاقة والطعام.إذا أخذنا كل هذه التطورات في الاعتبار، نلاحظ أن جماعة "الإخوان المسلمين" كانت تمزق الخيوط التي توحد المجتمع المصري، ومع كل تطور كان المحللون يحذرون من أن العواقب المحتملة ستكون ذات تأثيرات مقسمة للمجتمع على نحو مخيف.مع تراكم هذه الاضطرابات، انهار صرح "الإخوان" بسرعة كبيرة ومريعة. فصُور الخصوم على أنهم إرهابيون في بيئة تتحكم فيها الدولة (أو في هذه الحالة الجيش) في الرسالة، ولكن هل تختلف مصر حقاً عن أي دولة أخرى في هذا المجال؟ هل تُعتبر أكثر وطنية أو أكثر استعداداً لتصديق قصة مفبركة عن عدو مبتكر؟ وماذا عن جارتها إسرائيل؟ وكم احتاجت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من وقت لتبتاعا الأكاذيب التي جردت العراق من إنسانيته قبل أن تجتاحاه؟يشير المحللون إلى أن مصريين كثراً يعتبرون الانقلاب وعملية القمع الرد الملائم على خطر الإرهاب الحقيقي. تذكر الصحافية المصرية-البريطانية سارة كار: "يعتقدون أن هذه المعركة تسمو فوق القضايا السياسية، وأنها معركة من أجل بقاء مصر"، ثم تشير إلى أن كل مَن يحاول دحض هذه الرواية "يُتهم بالخيانة"، ومع إقفال المحطات الإسلامية قسراً والتنديد بالمحطات الأجنبية واعتبارها معادية، تسير وسائل الإعلام الخاصة والعامة المتبقية في مصر وراء راية الوطنية التي يحملها الجيش المصري. لربما تنتقم وسائل الإعلام الخاصة من الإخوان المسلمين، الذين عمدوا إلى تضييق الخناق على وسائل الإعلام المعارضة عندما كانوا في الحكم. أو ربما تتصرف كما اعتادت وسائل الإعلام في أي بلد التصرف خلال أوقات الحروب والأزمات؛ لذلك تبدي القومية على الاحتراف والموضوعية. أو ربما يُعتبر الفريق أول عبدالفتاح السيسي شخصية إعلامية مرحباً بها بنظاراته المميزة، حديثه الناصري الجديد، وابتعاده المتعمد عن الجيش المكروه خلال عهد مبارك.في مطلق الأحوال، يذكر الصحافيون والإعلاميون أن المشهد الإعلامي الحالي في مصر يقوم على فيض من الأغاني الوطنية التي تُبَث على خلفية يظهر فيها السيسي "البطل"، فضلا عن الحشود المصرية المهللة، في حين تدّعي الرسائل المدروسة أن الأمة في حالة حرب ضد الإخوان المسلمين "الإرهابيين"، الذين يُصورون كما لو أنهم جنس أدنى من البشر من الضروري التخلص منه.لا شك أن كل هذا لا يبرر الاعتداءات المقيتة على التظاهرات الداعمة لمرسي، فقد وصفت "منظمة مراقبة حقوق الإنسان" هذه الاعتداءات بأنها "من أخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في تاريخ مصر الحديث"، ولا يبرر كل هذا بالتأكيد غياب التنديد داخل مصر بحد ذاتها بإراقة الدماء المريعة هذه، أو بعدم السعي إلى تفادي أعمال العنف.لكن الإطار الذي حدث فيه كل هذا سيتخذ أهمية كبرى، عندما ينهض المصريون مجدداً، وسينقلب ضد الجيش العنيف لأن مصر ستنهض بالتأكيد، فمن غير المنطقي أن تجتاز مصر كل هذه المسافة وتقدم كل هذه التضحيات لتتخلى بعد ذلك عن مطالبها الثورية: "عيش وحرية وعدالة اجتماعية".يجب أن تتوصل جماعة "الإخوان المسلمين" والمعارضة، وكلتاهما قوة سياسية أساسية، إلى طريقة للتعاون، إذا كانت مصر تود التخلص من حكم الجيش وإصلاح أجهزتها الأمنية، وإن حدث ذلك، فعلى داعمي الانقلاب المميت أن يواجهوا أعضاء هذه الجماعة ويوضحوا لهم كيف سمحوا بحدوث تطورات مريعة مماثلة في مصر.
مقالات - Oped
لماذا يهلل المصريون لانقلاب دموي حتى الآن؟
02-09-2013
بددت جماعة «الإخوان المسلمين» فرصها بتأسيس قيادة ديمقراطية، إلا أن مصر لن ترضى طويلا بحكم الجيش العنيف.