منذ كانت الأغنية معادلة واحدة تتحكّم في نجاحها: كلمات جيدة ولحن جميل وأداء صحيح، لكن اليوم وبعد الفوضى التي تسيطر على الساحة الفنية اختلط الحابل بالنابل وبات المال يتحكم أحياناً في هذه المعادلة، وكثيراً ما أطلق ملحنون مطربين لا يتمتعون بأدنى مقومات الفن. في المقابل، ساهم ملحنون آخرون في إطلاق مواهب شابة لمعت في سماء الفن وحققت نجومية.

من هنا  تختلف دوافع الملحنين في تحديد المطربين الذين يتعاملون معهم: منهم من يفضل مطرب صاحب قاعدة جماهيرية، ومنهم من يرى في جمال صوت الفنان حافزاً لتقديم لحن له لأنه يساعد في نجاحه، ومنهم من يرى ضرورة العمل مع نجوم كبار وفنانين مبتدئين على حد سواء.

Ad

كيف يحدد الملحنون معايير تعاملهم مع المطربين؟ سؤال طرحته «الجريدة» على مجموعة من الملحنين في العالم العربي وسجلت الأجوبة التالية.

لا للرشوة الفنية

أحمد عبدالمحسن

سليمان الملا

«يستطيع الملحن تقييم الفنان الذي يتعاون معه وتحديد نبرة صوته ومدى قوتها واكتشاف النشاز في حال وجد»، يقول الملحن سليمان الملا مؤكداً أن الملحنين هم الأكثر صراحة في تقييم المطربين، وأن سببًا واحدًا يحول دون تعاون ملحن مع مطرب معين هو وجود عيب في الفنان.

يضيف: «لا يكون العيب خلقياً، قد يرتبط الملحن بعلاقة قوية مع الفنان مع ذلك يرفض تلحين أغنيات له، لأن ثمة عيوبًا في طبقة صوته أو أن الجمل الفنية لا تناسبه. في المقابل، قد يرفض المطرب ملحنًا معينًا لأسباب تخصه ربما تكون مادية».

يوضح الملا أن ثمة فنانين يزيدون أجر الملحن ليضع لحنًا على كلمات لا تلائم طبقة صوتهم، فيقبل الملحن بحجة العقد المادي بينهما، «في هذه الحال يفقد الفن  قيمته وتصبح الأمور غير متوازنة لاختلاط الفن بالرشوة، وهذا ما يسمى «الرشوة الفنية» التي تتعارض مع مبادئ الفن. من ناحيتي، أتعاون مع من يملك طبقة صوت تستحق أن أقدم لها ألحاناً».

 

 عبدالله القعود

«علاقتي طيبة مع المطربين كافة وأرحب بالتعاون معهم من دون استثناء»، يقول الملحن عبدالله القعود معربًا عن فخره في التعامل مع المطربين على اختلاف طبقاتهم الصوتية، ومؤكدًا ألا أسباب لديه لرفض أي مطرب.

يضيف: «تزخر الساحة الفنية بأصوات عدة ومختلفة، ويمكن زرع جملة فنية تناسب كل صوت. من غير المقبول أن يرفض الملحن مطربًا بسبب خامة صوته، بل عليه التعامل مع الجميع وتشجيع الشباب ومد يد العون لصقل المواهب المتوافرة بكثرة على الساحة الفنية، فثمة أصوات رائعة إلا أنها تحتاج إلى العمل عليها، ونحن بصفتنا ملحنين يجب أن نزرع الثقة فيها».

يلفت القعود إلى أن الملحن قد يرفض التعاون مع مطرب معيّن لأسباب غير فنية، من بينها: وقوع مشاكل بينهما لأن كل طرف ينسب النجاح إليه، ولا تلبث أن تتصاعد وتيرتها ويسيطر رفض متبادل بين الطرفين، بالإضافة إلى مشاكل أخرى تتعلق بالعقود والأمور المادية... «لكل ملحن سببه في رفض أحد المطربين والعكس صحيح».

 

عبدالله سالم

 

«التلحين والغناء ليسا عملية بيع وشراء، بل رسالة فنية هادفة ومبادئ لا يمكن التغافل عنها»، يؤكد المطرب والملحن عبدالله سالم، مشيرًا إلى أن الملحن لا يقف على فنان معين بل ينبغي أن يتوافر توافق مع هذا المطرب أو ذاك، وقد يرسل ألحانًا إلى أكثر من فنان لاختيار الأنسب منها.

يضيف: «لا أضع شروطًا للتعاون مع المطربين بل أرحب  بهم جميعهم، ويحصل كل فنان على أغنية تليق بصوته سواء من ناحية الكلمات أو الألحان. لا يميز الملحن بين فنان يملك طبقة صوت رائعة وآخر طبقة صوته ضعيفة، بل يعطي ألحانًا تناسب طبقة صوت كل واحد منهما».

يرفض سالم مقولة إن الفن تجارة ويؤكد أنه يحمل رسالة هادفة، «لكننا قد نقتل  هذه الرسالة إذا اختلطت الأمور بالمادة. من هنا، يجب أن نكون أكثر وعياً ونتعاون مع الجميع».

يشير إلى أن ثمة أصواتًا تحتاج إلى صقل وإلى ألحان معينة تساعدها في السير قدمًا. بالنسبة إليه لا يرفض أي فنان يطلب منه لحناً معيناً بل يرحب بالفكرة ويقدم له ألحانًا عدة لاختيار الأنسب له.

صوت جميل وخفة ظل

بيروت -  ربيع عواد

مروان خوري

«لا مانع لديّ في التعاون مع أصوات ذات قدرات بسيطة، لأنني قادر على مقاربتها بألحان تناسبها»، يقول مروان خوري، في حديث له، مؤكدًا أنه لا يندم على تعاونه مع أي من الفنانين، ومضيفاً: «أحاول اختيار أصوات تتمتع بقدرة على التعبير وليس بالضرورة أن تكون أصواتاً عظيمة، المهم أن يكون إحساسها مرهفاً».

بلال الزين

«لا أتعامل مع فنان لا أقتنع بصوته أو أجده بعيداً عن أفكاري ونمطي الموسيقي»، يوضح بلال الزين الذي يحرص على التنويع في أعماله، رافضاً أن يحصر الملحّن نفسه بنوع معين حتى لو نجح فيه، إيماناً منه بأهمية التنويع  من ضمن الروحية الموسيقية التي يتميز بها الملحن.

يضيف الزين أنه يفضل التعامل مع فنان خفيف الظلّ، لأن التحضير لأغنية يتطلب تواصلا دائماً لبلوغ النتيجة النهائية، وألا يكون ممن يدعي النجومية، مشيراً إلى أنه يولي أهمية إلى الصوت وليس إلى مدى النجومية، «لأن الصوت معيار لنجاح الأغنية»، حسب تعبيره.

يتمنى التعاون مع كاظم الساهر لأنه يقدم لوناً شرقياً رومنسياً يشبه اللون الذي يقدمه الزين، يقول في هذا الصدد: «أظنّ أننا إذا اجتمعنا ستكون النتيجة ممتازة»، مؤكداً في الوقت نفسه أنه راض عن الفنانين الذين تعاون معهم، «انطلقت في أغنية «لبنان الحلو» مع صديقي جاد نخلة وكان تعاوناً رائعاً، من ثم عملت مع فضل شاكر وكان عملنا في قمة الرقيّ، ومع وائل كفوري... هؤلاء فنانون مميزون في شخصيتهم وفي صوتهم».

سليم عساف

«لا يهمني أن يكون الفنان نجماً أو مبتدئاً، بل أن يملك إحساساً وقدرة على إيصال أغنيتي»، يوضح سليم عسّاف مؤكداً أن لديه صداقات مع نجوم كثر، لكن لا يعني ذلك أنه تعاون معهم جميعاً، إنما يتمنى ذلك في المستقبل، ونافياً في حديث له وجود علاقة بين الصداقة التي تجمعه بالنجوم ونوعيّة الأعمال التي يقدّمها لهم، يقول: «كما نجحت مع كارول سماحة ورامي عياش، تميّزت مع صابر الرباعي، نجوى كرم، ماجدة الرومي وأيمن زبيب... أعزل الصداقة عن المصلحة الفنية».

يضيف: «أحاكي بأعمالي الناس كافة، وأعتبر أن الحزن والسعادة  يحرّضان على الإبداع شعراً ولحناً». وعمّا إذا كان  ندم على التعاون مع نجوم معينين، يؤكد ألا خلاف بينه وبين أي نجم تعامل معه، ويحرص على أن يرتبط بعلاقة صداقة ومودّة مع الفنانين كافة، مشيراً إلى أن قلّة منهم من لم توصل الأغنية بشكل مناسب.

هشام بولس

أرفض التعاون مع فنان لا أقتنع به لأن الانسجام والتناغم ضروريان في هذا المجال لابتكار أغنية تليق بالجمهور»، يؤكد هشام بولس موضحاً، في حديث له، أنه حين يلتقي شخصان روحياً وتكون تربيتهما متشابهة وذوقهما الموسيقي متطابقاً، لا بدّ من أن ينعكس ذلك على جمالية العمل الفنّي.

يضيف: «لكل فنان ميزة خاصة به، لذا لا أعطي الأغاني بشكل عشوائي إلى الفنانين، بل أختار ما يلائم شخصية كل واحد منهم».  

حول التعامل مع فنانات يستعرضن أجسادهنّ يفضل بولس ألا يقدّم لهنّ أي عمل مشدداً على أن الموهبة مهمة لبلوغ النجومية، ولافتاً إلى أنه لا يعطي أي فنان أو فنانة لحناً إلا إذا تأكد من صوته وقدراته الفنية، لكنه أعطى هيفا وهبي ومايا دياب أغنيات لأنه يعتبرهما حالتين فنيتين وهو مقتنع بهما.

صوت جيد وجماهيرية

القاهرة –  هند موسى

بسبب الخلاف بينهما قرر عمرو مصطفى عدم التعامل مع تامر حسني، لكن حدث تعاون بينهما بشكل غير مباشر في ألبوم حسني الأخير، إذ قدم مصطفى لحناً لشركة «فري ميوزيك» لصاحبها نصر محروس الذي أعطاه إلى حسني بعد انضمامه إلى الشركة أخيراً، ما أثار حفيظة مصطفى، لا سيما أن محروس لم يستأذنه في إعطاء اللحن لحسني.

راحة وانسجام  

تعامل حسن الشافعي مع مطربين كبار، إلا أنه يرتاح مع أنغام التي بدأ العمل معها منذ كانت في شركة «روتانا للإنتاج الصوتي» وقدم لها ثلاث  أغنيات تنوعت ألحانها بين الشرقي والجاز.

يوضح في هذا المجال: «اقترحت على أنغام تقديم ألوان مختلفة في ألبوم «محدش يحاسبني»، ورغم كونها مطربة ناجحة ولديها جمهورها ولا تحتاج  إلى جذب المستمع من خلال هذا التغيير، إلا أنها غامرت رغبة منها في إحداث نقطة تحول في تاريخها الفني، وهو ما يعجبني فيها».

كانت بداية تامر عاشور كملحن في أغنيات: «وقدرت على الوداع» لليلى غفران، «طيب طيب» لمحمد فؤاد، «سنين الشوق» لفضل شاكر، وقدم كمطرب أولى أغنياته «كلموها عني» التي حققت نجاحاً، ما أثر سلباً على تعاون المطربين معه كملحن، خصوصاً بعد صدور ألبومه الأول «حد بيحب»، باستثناء قلة من أمثال شيرين ولؤي وأصالة.

 يضيف أنه يفضل التعامل مع هؤلاء المطربين لكونهم متمكنين من موهبتهم، وواثقين بأنفسهم ولديهم من الوعي ما يؤهلهم التفرقة بين عاشور المطرب وعاشور الملحن.

بدوره يفضل هاني فاروق تقديم لحن لمطرب يتمتع بصوت جيد «إذا لم يكن كذلك قد يفشّل اللحن، خصوصاً بعد الشهرة التي حققتها ورصيد  الأغنيات الناجحة في أرشيفي، فأصبح لزاماً علي التأني في الاختيار لتقديم ألحان جيدة».

يتمنى فاروق التعامل مع المطربين كافة لتحقيق التنوع، لا سيما أنه قادر على تقديم لحن يتناسب مع إمكانات المطرب وقدراته الفنية ونوع الغناء الذي يتقنه، سواء كان شعبياً أو رومنسياً.

لا مساومة

يختار حلمي بكر المطرب الذي يعجبه صوته بعدما يستمع إليه إذا كان صوتاً جديداً، أو يتفق مع نجم يعرف خامة صوته، ويضيف: «ألحاني ليست للبيع ولا تخضع لمن يدفع أكثر، لذا لا أعطيها لأي فنان لمجرد أن البعض يلقبه بـ «مطرب»، بل الفنان الذي أتعامل معه بمقاييسي الخاصة، من بينها: تمتعه بجماهيرية وقبول وشخصية مؤثرة وغيرها من عوامل صناعة النجم. للأسف، يمتلئ السوق الغنائي بأصوات نشاز ومواهب ضعيفة تحقق شهرة من خلال مظهرها أو أموالها أو علاقاتها».

بدوره تعامل الملحن هاني شنودة مع مطربين في بداية حياتهم الفنية بعدما رأى فيهم مشاريع فنية واعدة ومبهرة، من بينهم عمرو دياب ومحمد منير، ومن قبل مع نجاة الصغيرة وفايزة أحمد وعلي الحجار، ومع مطربين شعبيين مثل أحمد عدوية الذي لحّن له مجموعة من الأغنيات من بينها: «زحمة»، وكتكوت الأمير الذي لحّن له ألبوم «حظوظ».

اليوم يتعامل شنودة مع نجوم أثبتوا أنفسهم على الساحة الغنائية لأنهم يرتقون  باللحن الضعيف إلى مراتب متقدمة، بالإضافة إلى فنانين مبتدئين لأن ألحانه تساعدهم في تحقيق النجاح، ويشترط أن ينال صوت الفنان إعجابه معتبراً أن هذه النقطة لا جدال فيها.

يصف شنودة نفسه بـ «ستايلست المطربين» لأنه يقوم بمهمتي التلحين والتوزيع، أي يحدد الإطلالة التي تليق بالمطرب، مثلما اختار لدياب شكلا مختلفاً تماماً عن منير.

أما هاني مهنا فيتعامل مع مطربين أصحاب أصوات مميزة ومساحات جمالية تليق بهم الألحان المختلفة بغض النظر عن جماهيريتهم، يضيف: «قد يكون للمطرب جمهور كبير مع أنه لا يملك صوتاً قوياً يعبّر عن اللحن الذي يغنيه، لا علاقة لهذا الأمر بمدى شهرة المطرب، لأنه قد يكون مشهوراً لكن لحن أغنيته ليس جيداً فلا يتعلق الجمهور بها والعكس صحيح، إذا كان المطرب غير معروف والأغنية مميزة فسيلتفت المستمعون إليها وقد تحقق له شهرة واسعة».

 يرى أن ذلك يستغرق وقتاً ومجهوداً في التحضير مع توافر حد أدنى من القبول للمطرب لدى المستمعين، لأنه يشبه واجهة عرض تجذب الجمهور إليها.