لطالما سمعنا عن التقاعد، وأن التقاعد هو فرج الصابرين على سنين العمل والروتين القاتل والبيروقراطية الدافنة للإبداع والسعادة، وكيف أن المتقاعد، وإن كان يضحي براتب مرموق بعد خدمة قد تتعدى الـ30 عاماً، فإن ذلك لا يعادل شيئاً مقابل ساعات الحرية المكتسبة وطمأنينة المعاش التقاعدي، فتصبح تلك الفترة التقاعدية فترة راحة واستجمام وتحقيق بعض الأحلام التي سمح لها الدهر أن تعيش ولا تموت بين أروقة المباني أو أدراج المكاتب.وإن كنا نرى التقاعد بتلك النظرة المتلهفة، فالبعض قد ينظر إليه نظرة الخوف والريبة، فكسر العادة وتغيير نمط الحياة الروتينية صعب للغاية بالنسبة لهم.
وهناك البعض- سواء أراد أم لم يرد التقاعد- ممن لن يسمح لهم بالمدة الاعتيادية لأنه صاحب علم وشهادة فريدة من نوعها أو صاحب خبرة في أمور حيوية بالعمل، ولا يوجد البديل، فهنا يصبح التقاعد حلماً بعيد المنال، فالعمل المخلص والإتقان ولو جاء على حساب وقته ونفسه لابد منه.وتلك فئة للأسف نراها بكثرة في مجتمعنا، فكثير ممن يتقلد مناصب عامة ليس له من يخلفه إن وصل إلى سن التقاعد إما لاحتكاره خبرة العمل طوال تلك السنين خوفاً من أن يأتي أحد ويستبدله، وإما لتخبط الاستثمار البشري لدى الحكومة وديوان الخدمة فلا يتم التوظيف حسب الخبرة والشهادة بل عن طريق المحسوبية وملء الفراغ.ويتبقى لنا هنا فئة أخيرة أكاد أجزم أنها توجد لدى مجتمعنا فقط، وهم هؤلاء الذين لا يحملون من الشهادات أندرها ولا من الخبرة أكثرها، لكنهم ما أن يصلوا إلى سن التقاعد حتى يتم استحداث منصب ذي مسمى عجيب فقط من أجلهم، ولا يؤخذ في الحسبان هنا أنه لم يعد لديهم ما يقدمونه، إنما فقط ذاك "المنصب التقاعدي" المصاحب للهيبة الاجتماعية والخرافي في راتبه المادي.وإن كان سوق العمل في القطاع الخاص لا يماثل قرينه في العمل الحكومي، وإن كنا نرى الكثير ممن خدم بالوظيفة الحكومية يأخذ خبراته وعلاقاته ليوظفها بالقطاع الخاص بعد تقاعده، إلا أن العجب كل العجب ممن يتقاعد من منصب في القطاع الحكومي ليتسلم آخر براتب يفوق معاشه التقاعدي بمراحل وساعات عمل لا تُذكر إن وجدت من الأساس.وإن كنا على يقين بأن الحكومة بقطاعاتها تطبق القوانين ولا ترضخ للمحسوبية وتهتم بأصحاب التخصصات النادرة والخبرات الطويلة أولاً، فلابد من فرض المساواة على موظفي القطاع الحكومي ومن شارف على التقاعد فيخير بين أمرين إما الحصول على معاش تقاعدي وإما شغل منصب تقاعدي.***من المصطلحات الجديدة في قطاع سوق العمل الحكومي "البصمة المقنعة"، فإن كانت أجهزة البصمة قد فرضت حضور الموظف وخروجه في الموعد المحدد، فإن الكثير يبصم بالحضور ليسرح ويمرح ويعود في موعد بصمة الخروج.
مقالات
معاش تقاعدي و«منصب تقاعدي»
21-09-2013