لقد جرب محمود البريكان مبكراً كتابة نصوص مطولة كما في قصيدته «أعماق المدينة» في عام 1951 بالإضافة إلى القصائد القصيرة، فائقة الكثافة والايجاز كما في هذه القصيدة:

Ad

أيها القنوط

هناك، بعد منفذ:

القفز إلى دوامات المحيط.

وفي قصيدة أخرى:

انسَ ما تعرف

وأبدأ كآدم

يخطو على الأرض التي اخصبتها البراكين.

ولأن، البريكان كان يدرك ببصيرة الشاعر الحقيقي مصيره وأسراره الخفية وتحولات العالم من حوله، كتب واحدة من أجمل قصائده بعنوان قصيدة ذات مركز متحول.

«مدونة الوهم

لا تنتهي أبداً. النهايات تبدأ دورتها، القصائد

تنقض أسرارها وتغادر

منطقة الصمت. ها أنا ذا أجلس بين رماد الحرائق منتظراً

أن يتم انطفائي.

إن البناء الصارم الذي أسسه البريكان لنصه كان يضفي على مشروعه الشعري جدية حاسمة وانشغالاً دؤوباً، كما يتجلى عبر هذا الاشتغال المدى المعرفي واطلاعه الواسع على التجارب الشعرية في العالم فهو حينما يتحدث عن ريلكه، طاغور، أليوت، أودن، خمينث، والشعراء الفرنسيين انما يفعل ذلك بعمق وحساسية عالية.

يحتوي كتاب «متاهة الفراشة» على مجموعتين هما «حارس الفنار» وهي قصائد كتبت بين الاعوام 1958-1969، «وعوالم متداخلة» 1970-1998. بالإضافة إلى الحوار الذي اشرنا اليه، البريكان: في الشعر الوجوه لا تصنع، بل تصنع الاقنعة. نختار من المجموعتين بعضاً من نصوصه.

صخرة في محطة

تاركة بمنتهى الامومة

ذراعها للقادم المتعب

صديقة المسافرة... الكهلة الممتعة.

حارسة الأمتعة

حاملة المصباح في الظلام.

حضور الأموات، من يتسلل خلف خطانا، في الطرقات المجهولة؟

من ينقر عند هبوط الليل نوافذنا؟ ويحرك أطراف ستائرنا حين تهب الريح؟

من يبسط في الأحلام يديه وينادينا عبر النهر، أن نعبر للجهة الأخرى؟

من يتنفس معنا؟ من يهمس في آخر درجات الصمت، في السهرات الشتوية؟ من يبتسم في المرآة، في أعمق ساعات الحزن؟ الأموات.

قصيدة موثقاً إلى صخرة

أتسقط رذاذ النجوم

تعالي أيتها النواس

فكلي من أحشائي.