يجمع رشيد عبدالرحمن مادته من حياة معطوبة، كائناته غالباً ما تكون ممزقة من الداخل، مهملة، منسيّة بقوة عنف الواقع. هذه الكائنات تعيش بسطوة الضرورة على الهامش، ويخترق حياتها زمن بالغ الفضاضة والقسوة، شخوص هي نثار ذاكرة ومخيلة متأملة.

Ad

هكذا يتبدى الفضاء التشكيلي عند الفنان العُماني رشيد عبدالرحمن الحاصل مؤخراً على جائزتين، الأولى جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال التشكيل عن عمله «أرزاق» ثم الجائزة الثانية عن عمله البديع «وجوه» في المعرض السنوي العشرين للفنون التشكيلية الذي أقيم في الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية بين 24-31 ديسمبر الماضي، كاشف ومرئي يتجاوز سعة العين، البعد التجريدي يظهر في عمق اللوحة أو في مطارح العمل التجهيزي، متجاوزاً منظور البعد الأكاديمي، ويكاد يقترب من الاشتغال العفوي، المحاط بسلسلة من الدوافع والرغبات، غير أن رشيد عبدالرحمن فنان لا يريد أن يتذكر نفسه، انه يضعك أنت الناظر أو المتلقي أمام عمله ليقول لك، أنت هنا ربما، أو ربما هناك، لقد كنت ذات يوم أو على الدوام إنساناً مهملاً، منسياً، وربما كنت حجراً أو كرسياً، أو حكاية الطفل الخشبي، أو ربما بقايا شجرة يابسة، أو المرأة المقنعة والمبرقعة بحكم التقاليد وواقع المجتمع، لذلك يحرص رشيد عبدالرحمن أحياناً على انتقاء مواده الخام من الطبيعة، أو من أمكنة وزوايا منسية، بعضها يقوم الفنان بمعالجته بنفسه، غالباً ما تكون مواد خشبية محترقة، أقنعة كبيرة الحجم، براقع نسائية، بقايا أشجار قديمة، الخيش والحبال والأسلاك وأغصان النخل اليابس.

إن الموضوعات التعبيرية التي يقترحها الفنان توصلك إلى عوالم ذات أبعاد سرية، بعضها حميم وبعضها نافر، فلوحاته تحمل عناوين مثل «ركن في ظلام البيت» «الأم والطفل» «الصداقة» «النميمة بين الأهالي» «حب في المطبخ» «لاعبو الورق» «نصف جسد» «الإنسان بين الماضي والحاضر» «المقطوع من شجرة»... إلخ. غالباً ما يطرح رشيد في لوحاته أسئلة ترتطم بعوالم الإنسان الداخلية، بالتيه والضياع، بمشاهد الحلم، برثاء قلب الإنسان في المجتمع المعاصر، وهول الزمن ودلالاته العميقة، وأسئلة وموضوعات تتخذ أشكالاً رمزية وتجريدية من الواقع الحي للحضارة المعاصرة. لوحاته المنفذة بالألوان الزيتية الهادئة تعطي انطباعاً بصرياً بالثراء والشفافية دون أن يتخلى الفنان عن إضافة تفصيل هنا أو هناك على سطح اللوحة، وتسبق اللوحة قوة الخيال والعين المدربة في نزوع إلى الدخول في مغامرة لابتكار فضاءات أسلوبية تستلهم لغة الإشارة والتلميح.

في الكتاب الذي وضعه الفنان رشيد عبدالرحمن لبعض أعماله، يشير الناقد العراقي محمد عبدالجبار الناصري إلى «أن مفردات العمل التشكيلي التي يشتغل عليها الفنان رشيد عبدالرحمن تستمد طاقتها من الوجود اليومي لتكون علامات ضمن البنية الخطابية للفنان، والتي تثير متعة البحث عن أماكن أقل ضجيجاً وسط تحولات العالم وصخبه، بينما تأخذ نشوة التأويل نحو الحنين الذي جعله يرسم لذائذ الغياب والاغتراب».

منذ سنوات وأنا أتابع أعمال رشيد عبد الرحمن وأحرص دائما على حضور مشاركاته في المعارض، وهو نادراً ما يتحدث عن أعماله، إنه يكتفي بخلق مسافة من الصمت، مسافة هي أشبه بصندوق أحلامه المليء بالضوء والألوان.