"إذا أردت أن تعرف فداحة ما ندفعه نحن الأفارقة من ثمن للاستعمار الغربي، جراء الرأسمالية أو الاقتصادات الحديثة، فما عليك إلا أن تنظر إلى عدد البلدان الإفريقية المرهونة لدى صندوق النقد الدولي – وزارة المال العالمية الجديدة".

Ad

العبارة السابقة واردة في حديث للباحث الكيني نغوجي واثيونغو، في سياق كتاب مترجم إلى العربية، تحت عنوان "تصفية استعمار العقل"، ورغم أن الكتاب، الذي ترجمه الشاعر سعدي يوسف بلغة شفيفة، ومنسابة، معني بالدرجة الأولى بالآداب الإفريقية المكتوبة بلغتها الأم، وليس بلغة المستعمر، فإنه لا يخلو من إشارات تتعلق بالاقتصاد الذي هو عصب الحياة، وكذلك بعض المسائل السياسية، والتصنيف الغربي للآداب الإفريقية المرتكز على القبلية، والعرق، وكذلك الديانة، ويرفض الكاتب هذه التصنيفات، مؤكداً أن النظر إلى الآداب، أو الحالة الإفريقية جملة من خلال هذه النافذة يشوبه العديد من القصور، وهي زاوية راقت للإعلام الغربي، بسبب سهولة الولوج إليها، ومن ثم استقرارها في ذهنية المتلقي.

ويعلن واثيونغو في كتابه هذا انفصاله التام عن الإنجليزية التي كان يكتب بها، عائداً بذلك إلى لغته الأم، يقول: "في سنة 1977 نشرت تويجات الدم" وقلت وداعا للغة الإنجليزية، واسطة لكتابة مسرحياتي، ورواياتي وقصصي القصيرة، وكل كتاباتي اللاحقة كتبت مباشرة بلغة الكيكو".

ويورد الكاتب تفصيلات مهمة حول حيثيات تأليف هذا الكتاب الذي هو صغير في حجمه، (150 صفحة)، لكنه إضافة مهمة إلى مكتبة الأدب الإفريقي، الفقيرة من حيث المراجع، ومن جملة ما يذكره أن مؤتمراً عُقد في جامعة أوكلاند – نيوزلندا، بشأن ثقافة ولغة شعب الماوردي، (سكان نيوزلندا الأصليين) كان دافعاً لتقديم ورقة بحثية مهمة، حول لغات إفريقيا الأصلية، والآداب المكتوبة بها، وبالطبع يسبق هذه المحاضرة في نيوزلندا العديد من اللقاءات والمحاضرات الأكاديمية، أبرزها ما كان في جامعة بايروت، في ألمانيا، وجامعة نيروبي في كينيا، الوطن الأم للباحث، ولعل ما يميز واثيونغو، هو أنه قاص، ومسرحي مبدع، إضافة إلى جهوده، في مجال البحث، والتاريخ، ولعل ذلك ما جعل الشاعر سعدي يوسف يصطاد هذه البذرة اليافعة، ويدفعها نقية طرية إلى المكتبة العربية التي تفتقر إلى مثل هذه الكتب المعنية بالثقافة والآداب الإفريقية، ويعد الكتاب قديماً إذ إن الطبعة الأولى منه صدرت في عام 1987، ضمن مشروع ذاكرة الشعوب، الصادر في حينها عن مؤسسة الأبحاث العربية، ولم أتيقن ما إذا كانت ثمة طبعة حديثة منه، أم لا.

يحتوي الكتاب على نصوص مهمة في المسرح والقصة، مع شروحاتها، وتأويل المؤلف للمدلول الذي يصب جملة في مفهوم "لكولونيالية" الذي ليس له سوى هدف واحد هو السيطرة على ثروات الشعوب، وبالطبع تأتي عبارات الكتاب في سياق مناهض لهذا الاستعمار، ورغم أن للشعر أهميته التي لا يستهان بها، وهو أمر يشير إليه المؤلف ذاته، ورغم ذلك لا نرى استشهاداً بنصوص شعرية، إلا في سياق ما يرد ضمن نص مسرحي، وهو أمر مستغرب، وليس ثمة تفسير سوى النظر إلى حيثيات تأليف الكتاب الذي هو في الأساس محاضرات قدمت في جامعات عالمية مرموقة، وترتكز في جملتها حول هاجس اللغة، التي هي الوعاء الأول الحافظ للآداب الإفريقية، وهو ما يفسر اهتمام المؤلف الشديد بالدراسة اللغوية، يتبعها اهتمام آخر بمسائل النضال، ومقاومة المستعمر الغربي، كل ذلك من خلال الاستشهاد بنصوص إبداعية، والنفاذ إلى داخلها، عبر دراسة الشخصيات، ومعطيات الحدث، والمكان.

وثمة مسألة أخرى تتعلق بالآداب الإفريقية المكتوبة بلغة المستعمر، ومدى اندماج الكتاب، والمبدعين الأفارقة مع هذه اللغات، في ظل استمرارية لغاتهم الأم، وعدم انقطاعها، وذلك أمر نتوقف عنده في المقال المقبل، إن شاء الله.