تزامنت خمسة أخبار متفرقة يوم الاثنين الماضي 9 أبريل 2012 في مصادفة يصعب تجاوز دلالاتها: الأول إقرار اللجنة التشريعية عقوبة الإعدام لجريمة المساس بالذات الإلهية والنبوية، والثاني مطالبة "مركز وذكّر" لصاحبه الداعية الإسلامي فؤاد الرفاعي بإزالة الحسينيات، والثالث اقتراح النائب الإسلامي عادل الدمخي إنشاء مركز لعلاج الظواهر السلبية الدخيلة ليكون نواة أولية لمعتقل ديني، والرابع ندوة "القبس" بعنوان "هل الدولة المدنية في خطر"، وأخيراً تهديد الناشط الإسلامي مبارك البذالي لأي فتاة تتواجد في جزيرة كبر "وإلا لا تلم إلا نفسها".

Ad

ولعل ما استفز القراء أكثر من تهديد البذالي هو طريقة إفراد "الجريدة" له في صفحتها الأولى، حيث انبرى الإسلاميون إلى التبرؤ منه وطرحه، متهمين "الجريدة" بالتهويل لتخويف الناس من التيار الإسلامي، بينما استقبل بعض الليبراليين الخبر بتردد وخجل خوفاً من وصمهم بأنهم يهتمون بالهوامش. على عكسهم جميعاً، لقد وفقت "الجريدة" برأيي في إفراد التهديد بهذا الزخم، إذ حان الأوان لعرض صورة حقيقية ومتكاملة عن التيار الإسلامي للناس وشكل الدولة التي يصبو إليها.

مشروع التيار الإسلامي منذ بداياته في الكويت إلى اليوم هو ذاته لم يتغير: إقامة دولة دينية يفرضون فيها أسلوب حياة أوحد على الناس ويقصون من يختلف معهم، ويحتكرون الحقيقة المطلقة وسلطة تحديد الحلال والحرام. في البدايات اتبعوا الأسلوب المباشر والمتطرف لتحقيق ذلك من خلال محاربة الديمقراطية أو تعديل المادة الثانية، ولما واجهوا مقاومة من المجتمع قرروا اتباع أسلوب التدرج مع خلق صورة وهمية للاعتدال على التيار لتسهيل تقبله، وأثبت هذا الأسلوب فاعليته على مدى أربعين عاماً، إذ نتج عنه الزحف خلسة على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي قام عليها الدستور.

ما لم يكن في الحسبان هو أنه سيأتي زمن يتوسع فيه التيار وتتشعب الاتجاهات داخله، وتتنوع قواعده، وتتوافر وسائل اتصال حديثة تتيح لمارقين عن التيار الخروج على مؤسسته التقليدية وسحب البساط منها والتواصل مع القواعد مباشرة، فتحوّل التقليديون من التركيز على استكمال الزحف المبرمج إلى محاولة كبح جماح المتطرفين والتهوين من جموحهم أو التبرؤ منهم في حال عدم السيطرة عليهم.

ولكن هل هذا التهوين في محله؟ وهل يمكن القول إن "حدس" معتدلة كما يروج لها، بينما كتلة العدالة متطرفة؟ أو القول إن النائبين علي العمير ومحمد الدلال معتدلان بينما محمد هايف وأسامة المناور متطرفان؟ هل لدى التيار الإسلامي مصداقية عندما ينعت البذالي والرفاعي بالتطرف عند كل تصريح لهما ويتسابق قادة التيار وأنصاره للتبرؤ من أفكارهما ويعلنون أنهما لا يمثلانهم؟

إذن من يمثلان؟ إذا كانا يتحدثان بخطاب ومفردات معتدلي التيار الإسلامي، وينطلقان من نفس مرجعياتهم، وهما خريجا جمعياتهم، ويحضران دواوينهم وتجمعاتهم وندواتهم، فمن يمثلان؟ هل يصوت البذالي والرفاعي لمصلحة الملا وأسيل العوضي أم للعمير والدلال؟ هل يطمحان لإقامة دولة مدنية كالنرويج واليابان أم دينية كالسعودية وإيران و"طالبان"؟ هناك مثل إنكليزي شهير يقول "إذا كانت تشبه البطة، وتسير كالبطة، وتصدر صوتا البطة، فإنها بالتأكيد بطة". إذن فإن البذالي والرفاعي يمثلانكم يا سادة وإن أنكرتم، هما فقط صورة حقيقية وعفوية للتيار الإسلامي وشكل الدولة دون رتوش أو تجميل إذا ما استكمل مشروعه فيها.

إن أكثر ما يشكل خطراً على نجاح المشروع هو جموح حاملي رايته بما ينسف "مكياج" الاعتدال الذي وضع عليه، ولهذا السبب خرج إلى العلن سجال النائب جمعان الحربش، وهو المصنف كأحد الصقور، مع النائب هايف محاولاً كبح جماحه، ولهذا اتخذ النائب السابق مبارك الدويلة، وهو المصنف "صقر" أيضاً، موقف الدفاع في ندوة "القبس" وحاول بشدة التهوين من المخاوف التي طرحت فيها، فجموح زملائهما هو نقطة ضعف تظهر الصورة الحقيقية لمشروعهم.

نعم، الليبراليون بحاجة إلى تقديم مشروع بديل، ولكن لا تخجلوا من نسب أفكار البذالي والرفاعي ومن مثلهما إلى التيار الإسلامي، فقد تآكلت مساحة حرياتنا التي (كنا) نتمتع بها بسبب رضانا بما روج لنا على أنه "معتدل" خوفا من المتطرف والاثنان سيان، فالأمور تؤخذ بالغايات والنتائج، والتطرف واحد وإن زُيّن بحسن المنظر وحلاوة اللسان. وتذكروا... تذكروا أن محمد الدلال وفيصل اليحيى – الإسلاميان "المعتدلان"- صوتا مع الإعدام.